{إنـمـا نعد لـهـم عـدا}


قال تعالى : {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا، فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا، يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا}(مريم : 83- 86).

العمر محدود، والأجل محتوم، ولا يولد الإنسان إلا وقد كُتب أجله، وعُلم يوم رحيله {لكل أجل كتاب} {الله يعلم ما تحمل كلّ أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال}(الرعد : 9- 10)، {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا، وما تحمل من انثى ولا تضع إلا بعلمه، وما يُعمَّر من مُعمَّر ولا يُنقص من عمره  إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير}(فاطر : 11).

يولد الإنسان فيتنفس النفس الأول، ويبدأ العادّون العدَّ، وتتوالى الأنفاس، ويستمر أهل العد في القيام بواجبهم : واحد، اثنان، ثلاثة.. ألف.. مليون… ونقطة النهاية لديهم معروفة! ربما عند النفس رقم مائة مليون يكون الأجل، إذن فهو الأخير، لأن لكل بداية نهاية، ولكل أول آخر، ولكل انطلاق وصول.. والنتيجة هي أن الدنيا مجرد أنفاس!! احسبها بالساعات والأيام أو بالشهور والأعوام، أو احسبها إن شئت بالقرون العظام، لكن الحقيقة هي أن العمر مجرد أنفاس! نعم مجرد أنفاس يتنفسها الشخص، وكلما ذهب نفس قرَّبَ صاحبَه من أجله خطوة، قال ابن  عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى : {إنما نعد لهم عدا} أي نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سِنِيّهم..

روي أن المامون العباسي قرأ سورة مريم فمر بهذه الآية {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال : -أي ابن السماك- >إذا كا نت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد،

وقد قيل في هذا المعنى :

حياتك أنفاس تعد فكلما

مضى نفس منك انتقصت به جزءا

يميتك ما يحييك في كل ليلة

ويحدوك حادٍ ما يريد به الهزءا(1)

هذا عمرك -إذن- أيها الإنسان، أنفاس معلومة العدد، ليس لها مدد، ولذلك هي كل يوم في نقصان، ما مضى منها لا يعود، وما ذهب فقد ذهب، فاحرص على ألا تذهب أنفاسك سدى، فتندم عليها يوم لا ينفع الندم.

1- الجامع لأحكام القرآن 150/11.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *