وتضحكون ولا تبكون!


قال تعالى : {أفمن هذا الحديث تعجبون ولا تضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا}(النجم  58- 61).

>لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا< قالها النبي الكريم ، فهل لنا منها نصيب؟ الواقع يقول : لا. فإن الناس يضحكون كثيرا ولا يبكون لا كثيرا ولا قليلا، إلا من رحم ربك وقليل ما هم! لأننا حجبنا عما كان يجب علينا أن نعْلَمَه ونُعَلمه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لقد كان البكاء من خشية الله دأب الصالحين، وديدن الأوابين، وعربون صدق التائبين، قال  : >لا يلج النارَ رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم< وقال  >عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله<.

وإذا كانت مواطن استدرار الدمع كثيرة، فإن أعظمها عند قراءة القرآن، فهو الوحي! إنه كلام الله! ويكفي أن تستحضر هذه الحقيقة ليخشع قلبك، وينهمر دمعك، قال تعالى : {إن الذين أوتوا العلم من قلبه إذا يتلى علهيم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} ولقد كان سيد البكائين  غزير الدمعة، كثير العبرة عند قراءة القرآن أو سماعه، فعن عبد الله بن مسعود ] قال : قال لي رسول الله  اقرأ علي القرآن، قلت : يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال : فإني أحب أن أسمعه من  غيري، فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، فقال : حسبك الآن، فالتفت فإذا عيناه تذرفان<.

وكان ذلك دأب أصحابه رضي الله عنهم، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما اشتد برسول الله  وجعه قيل له في الصلاة، فقال >مروا أبا بكر فليصل بالناس< فقالت عائشة رضي الله عنها : إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء< وفي رواية >إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء<.

إنه لمو قف جلل، وأنت تقرأ كلام ربك، أو تسمع  من يرتله ترتيلا حسنا تخشع له القلوب، وتدمع العيون، ومن لم تدمع عيناه في هذا الموقف لم تدمع في غيره إلا لماما إن دمعتا!! ولذلك كان  يحثنا على البكاء عند قراءته فإن لم نستطع فلا أقل من أن نتباكى حتى نصل إلى البكاء..

ولقد فقه سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله هذه الحقيقة، فقد روي عنه أنه قرأ قول الله تعالى : {أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا} فقال : والله إن أكيس القوم في هذا الأمر لمن بكى، فابكوا هذه القلوب، وابكوا هذه الأعمال فإن الرجل ليبكي وهو قاسي القلب<(1) فاللهم ارزقنا قلوبا خاشعة وأعينا دامعة، يا أرحم الراحمين آمين.

1- سنن الصالحين وسنن العابدين 483/1.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *