مسلمو المهجر..،رسالة لم تبلغ، وأمانة لم تؤَدّ


أجرى المذيع الحسين خباش في إحدى حلقات برنامجه الممتع « مهتدون إلى الإسلام »(*) عبر أمواج الإذاعة الوطنية المغربية حوارا شيقا مع إسباني من بلاد الباسك اعتنق الإسلام بعد مخاض من البحث والتنقيب كما هي عادة الكثير ممن اعتنقوا الإسلام حديثا من بلاد الغرب، فكان إسلامهم إسلام علم واقتناع لا إسلام تقاليد ووراثة.

ومما يشد ويشغل البال فيما قاله هذا المسلم الإسباني هو لفتة مهمة جدا أشار إليها تكشف بالملموس والمثال الواقعي تقاعس المسلمين في تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس، والحصار الذي تمارسه النزعات الوطنية الضيقة على أممية الإسلام ورحابته.

مما قاله الإسباني الباسكي المسلم حديثا أن امرأة إسبانية نصرانية من كاتالونيا أبدت له رغبة شديدة في معرفة هذا الدين الذي يسمى  « الإسلام »، بحيث إنها تجهله جهلا تاما مع العلم -وهذا هوالشاهد عندنا في هذه المقالة- أنها الساكنة المسيحية الوحيدة في بناية جميع أهلها من المسلمين المهاجرين من دول مختلفة!!!…

فكيف يمكن تفسير أن تجهل تلك المرأة المسيحية أي شيء عن الإسلام وهي تعيش وسط جمع من المسلمين؟

جاء الجواب على لسان ذلك الذي أسلم حديثا -وفي كلامه يحس المرء بعتاب لطيف لمن سبقوه في الإسلام- أن مسلمي المهجر ينشغلون كثيرا بالحديث عن أوطانهم، وقليلا ما يتحدثون عن إسلامهم؛ فيكون بذلك نصيب الدعوة إلى الله عز وجل في اهتماماتهم نصيبا ضئيلا.

وإن المتتبع لواقع جاليتنا المهاجرة في الخارج ليُزكي هذا التفسير، بحيث إنه يمكن أن نقول بأن كثيرا من المسلمين المهاجرين إلى دول الغرب يصرفون معظم جهودهم ويحصرونها في اهتمامات يمكن أن ننعتها بأنها عائلية، أوقبلية أوفي أحسن الأحوال « وطنية ».

أضف إلى هذا أن التوجه الرسمي للحكومات يركز على شد المهاجرين إلى هُوياتهم الوطنية الضيقة أكثر من شدهم إلى هويتهم الدينية. ويمكن أن نستشف ذلك ونستنتجه مثلا من خلال مراقبة ما تبته البرامج التلفزية عند حديثها عن المهاجرين خارج الوطن. فمضمون الرسائل التي تبثها تلك البرامج يركز أساسا على ما له علاقة بالوطن، بتقاليده، وأطعمته، وموسيقاه، ولهجاته، وطبيعته، وسكانه، وسلطته، إلخ؛ بحيث يبدو للمتتبع أنه في جولة سياحية، وأن الشغل الشاغل الذي يشغل بال معدي تلك البرامج والموصين بإعدادها هو محاولة الإبقاء على تمسك هؤلاء بانتمائهم للوطن؛ لهذا نراها تركز في كثير من رسائلها على إثارة الحنين إلى الوطن، والدعوة إلى خدمة مصالح وطنية ضيقة؛  ويبقى المحرك والدافع الأساسي لكل تلك الرسائل هو طمع الدول الأم لهؤلاء المهاجرين في تحويلاتهم من العملة الصعبة، والعلاقات المختلفة التي قد ينسجونها بدول المهجر؛  فيكون هؤلاء بتعبير آخر مجرد سفراء لبلدانهم في الخارج، أقصى ما يطلب منهم هوخدمة مصالح الوطن المادية فقط.

إن المسلم الذي قدر الله عزّ وجلّ له أن يهاجر إلى خارج وطنه الذي ولد وترعرع فيه أرقى من أن يحصر اهتماماته في دائرة ضيقة لا تتعدى مصالح خاصة ضيقة؛  ولا يليق به أن يكون مجرد مرشد سياحي يعرض على جيرانه من الغربيين ما يزخر به بلده من عادات وتقاليد -تثير الغرابة- وطبيعة جميلة خلابة، ومآثر عريقة، إلخ. بل على المسلم في بلاد المهجر أن يعتبر نفسه أولا وأخيرا سفيرا للإسلام، ومرشدا إلى طريق الهداية..، فيكون بذلك واجهة من  واجهات الدعوة إلى الله عز وجل، شعاره {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله}، و>لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من الدنيا وما فيها<.

ذ. عبد المجيد التجدادي

——-

(*) مساء يوم الثلاثاء، 09 سبتمبر 2008.

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *