حرب القوقاز : قراءة في الأحداث والمواقف والآثار


تأطير عام

تعد “الحرب” كمفهوم وممارسة احدى القضايا الرئيسية التي شغلت الفكر الإنساني عامة، والفكر السياسي خاصة، قديما وحديثا.

ولقد أخذ هذا المفهوم يأخذ أبعاده العالمية والخطيرة مع الحركات الاستعمارية الأروبية وخلال القرن العشرين وما بعده، وشرع يتخذ مستويات متناهية في الخطورة والتعقيد مع تطور وسائل الحروب وتقنياتها، وانتقال آثارها مما هو محلي إلى ما هو عالمي، ومما هو عسكري إلى ما هو مدني، ومما هو ميداني إلى ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي الخ..

وتعتبر الحروب التي عرفتها البشرية في القرن العشرين وما بعده أخطر أنواع الحروب من حيث تطور تقنياتها، وتنوع أساليبها، وتعقد مستوياتها لتداخل المصالح وتشابك العلاقات وتعدد الأطراف والفاعلين فيها واختلافهم تصوراً وتطوراً، قوة وضعفا.

تأطير تاريخي

ولعل الحربين العالميتن الأولى والثانية وحروب حركات المقاومة والتحرر والاستقلال أبرز مثال على ذلك في القرن الماضي، وقد أفرز ذلك وجود توازن القوى بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي، ووجود التهديد المتكافئ بين قيادتي كل معسكر (الولايات المتحدة عن المعسكر الرأسمالي، والاتحاد السوفياتي سابقا عن المعسكر الاشتراكي)، هذا التوازن والتهديد المتبادل أفرز حقبة من الحرب وسمت باسم “الحرب الباردة” رافقها أمران على الأقل :

الأول : السباق المحموم  نحو التسلح  العسكري وامتلاك أسلحة الدمار الشامل المتمثلة في السلاح النووي والتقني.

الثاني : السباق نحو اكتساب تحالفات عالمية وتقسيم العالم إلى حلفين إيديولوجيين (رأسماي واشتراكي).

وكل من هذين السباقين كان على حساب القضايا الإنسانية الجوهرية : الفقر والجهل والتخلف الأمراض، الظلم، وبالذات على قضايا الدول والشعوب الضعيفة التي خرجت من الحرب الباردة وهي لا تملك سوى المزيد من القابلية للانقسام والتشرذم والتطاحن، والمزيد من التبعية والتسول السياسي والاقتصادي!!

وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي وتحوله إيديولوجيا إلى نظام السوق الحرة (النظام الرأسمالي) تحولت جمهورياته إلى مناطق ودول مستقلة (القسم الأروبي دون الاسلامي) وتحالف المعسكر الغربي الرأسمالي وتعاون من أجل دعم استقلال الجمهوريات السوفياتية الأروبية والحفاظ على الجمهوريات الاسلامية تحت الحكم الروسي مع الاحتفاظ بحقه في الضغط على روسيا في هذه الجمهوريات الاسلامية وإيجاد موطن قدم له في هذه الجمهوريات الاسلامية بدعوى دعم المقاومة أو عقد شراكات اقتصادية وعسكرية والهدف الحقيقي هو نصب قواعده العسكرية في منطقة القوقاز وبحر قزوين وتأمين إمدادات النفط من هناك ومراقبة تطور المد الاسلامي في هذه المناطق وفي الدول المجاورة كأفغانستان وباكستان وإيران وتركيا والعراق وغيرها مما يدخل تحت مسمى البلدان الإسلامية.

السياق المعاصر والمباشر

وبعد استقلال جورجيا عن روسيا سنة 1991 بقيت مسألة ترسيم الحدود غير واضحة، مما جعل النزاع يظل مستمراً بين روسيا المريضة وجورجيا حول إقليمي أوسيتيا الجنوبية والشمالية فإن  (أبخازيا) ورغم محاولات الاستقلال التي قام بها إقليما أوسيتيا فإن ذلك لم يفلح لتعقد الأمر وتدويله بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، إلى أن انفجرت الأزمة في السادس  من شهر غشت الفائت، حيث قامت جورجيا بالتدخل العسكري  لتأديب المتمردين الأوسيتيين الجنوبيين المطالبين بالاستقلال عن جورجيا والاتحاد مع أوسيتيا الشمالية والانضام إلى روسيا. فكان الرد الروسي مباشرا وعنيفا وميدانيا عبر التدخل المباشر لتحرير إقليم أوسيتيا والتوغل داخل الأراضي الجورجية إلى مشارف عاصمة جورجيا (تبليسي) دون قدرة الجيش الجورجي على مقاومة قوة الردع الروسي، بل تكبدت فيها جورجيا المدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلسي خسائر فادحة في بنيتها العسكرية المادية والبشرية.

المواقف وردود فعل الدول المعنية

أمام هذا التدخل العسكري الروسي الذي لم يعهد من روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي بدأت تظهر بعد التصورات عن استيقاظ الدب الروسي واستعادته عافيته وقوته، وعن عودة الحرب الباردة من جديد خصوصا بعد انطلاق موجة من الأصوات والمواقف المنددة من داخل الولايات المتحدة والحلف الأطلسي، واستباق الولايات المتحدة لعقد اتفاقية إقامة الدرع الصاروخي الأمريكي فوق الأراضي الأوكرانية والپولونية ومستقبلا فوق جورجيا وبالمقابل قامت روسيا بالتهديد بالرد النووي على أوكرانيا وپولونيا وعلى أي بلد يسمح بإقامة الدرع الصاروخي المضاد لصواريخها. كما تعالت بعض الأصوات في العالم الثالث والعالم العربي والإسلامي مستبشرة بيقظة الدب الروسي، ومتفائلة بعودة العالم من جديد إلى آفاق القطبية الثنائية التي يمكن أن تفرج كثيرا من هموم العالم الثالث من السيطرة الأمريكية المقيتة.

دروس وعبر

-أولا : إن التدخل العسكري الروسي بقوة في جورجيا أكد استمرار منطق الكبار والأقوياء في حسم الحروب ميدانيا بقوة الردع من غير مبالاة بالقوانين الدولية.

– ثانيا : إن امتلاك قوة الردع يجعل الخصوم والحلفاء يلجأون إلى الأساليب الديبلوماسية والحلول السلمية إذ تدخل حلف الأطلسي بقيادة فرنسا حالا لإنهاء حالة الحرب الميدانية وتغليب منطق الحوار على منطق السلاح، وفي هذا بعض الملاحظات أيضا :

أ- على المسلمين أن يستفيدوا من هذا النموذج في حل مشاكلهم وترتيب بيتهم على أساس الحوار والمفاوضات.

ب- على المسلمين أن يكونوا في مستوى امتلاك القوة المناسبة وتوظيفها التوظيف الرشيد أيضا في خدمة صالح الإسلام والمسلمين.

ج- على المسلمين الاستفادة من السياسة الدولية للدول الكبار في التعامل مع قضاياهم الشبيهة بما حدث في التدخل الروسي في جورجيا، (فقضية احتلال فلسطين وأفغانستان والعراق.. لم يتعامل معها المنتظم الدولي بنفس المنطق والسرعة والجدية التي كانت مع روسيا -جورجيا.

ألم يصرح بوش منددا بالغزو الروسي لجورجيا قائلا : >إنه لا يُقْبَل غزو بلد لبلد في القرن الواحد والعشرين” أنسي غزوه لأفغانستان والعراق وتهديده لإيران ومباركته لضرب قبائل وزيرستان الباكستانية تمهيدا لغزوها أم أن الحالين يتفاضلان فيحق هنا مالا يحق هناك؟!

ألم يرفض كثير من دول الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي فرض عقوبات اقتصادية على روسيا باعتبارها شريكا استراتيجيا؟! ألا يحق هذا في العالم الاسلامي؟ أليس هذا الأخير شريكا استراتيجيا أيضا وبمعنى الكلمة؟!

وهل المأساة الانسانية في جورجيا وأوسيتيا أقوى وأكبر من مأساة الشعب الفلسطيني والعراقي والأفغاني؟! فلماذا تسمى تلك مأساة إنسانية ولا تستحق مآسينا أن يقر بها؟!

لماذا تستحق دول القوقاز (جورجيا -أوسيتيا- أوكرانيا..) الدعم العسكري والمساعدة في امتلاك الأسلحة التقنية ولا تستحق بلداننا الاسلامية امتلاك ذلك ولو لــلأغراض السلمية لمقاومة الفقر والجوع والمرض…؟!

إننا في عالمين حقا : عالم غالب قاهر مالك لموازين الحكم وثان مغلوب مسلوب ينتظر كل يوم بما تحكم به أهواء حكام العالمين الأول والثاني!!

– ثالثا : إن الدول التي تصل إلى مستوى تحقيق التوازن الدولي تحترم قراراتها وشروطها ويصعب على الخصوم الدخول معها في حرب عسكرية اللهم إلا التهديد بالحرب الاقتصادية التي لا تؤثر في قوة الدولة المعاقبة (بفَتح القاف) كما هو الحال مع روسيا.

– رابعا : إن حرب القوقاز أكدت بجلاء المخطط الاسرائيلي والأمريكي في إحكام السيطرة على العالم عسكريا (نوويا) بدعم جورجيا عسكريا، ونصب الدروع الصاروخية شمال العالم الاسلامي وفي جمهورياته الاسلامية لإحكام السيطرة والمراقبة والتحكم في مصادر النفط ومراقبة قنواته وتأمينها والاستحواذ على سائر خيرات ومقدرات العالم الإسلامي.

– خامسا : إن ما يشاع من ظهور بصيص أمل في حل أزمات العالم الاسلامي والعربي، والعالم الثالث بعودة الحرب الباردة وإمكان الانتقال إلى التعددية القطبية هو في تقديري مجرد تصورات ساذجة وآمال زائفة لاعتبارات أهمها :

> إن روسيا الحالية لم تعد دولة اشتراكية وإنما هي دولة رأسمالية، والصراع بينها وبين الغرب صراع مصالح وتنافس حول الهيمنة، كما هو الشأن في الصراع بين أوروبا وأمريكا، وهو صراع لا يلغي التآخي والتحالف بينهم عندما يتعلق الأمر بوهم “التهديد الاسلامي” وحتى لو فرضنا إمكان عودة الحرب الباردة وإمكان عودة روسيا إلى نظامها الاشتراكي، فإن دعمها لقضايا العالم الاسلامي بعيد إلا إذا تعلق بمصالح الروس والتجارب التاريخية أيام الحرب الباردة خير دليل على ذلك.

> إن عودة التعددية القطبية العالمية لن يكون في صالح الدول الاسلامية في جميع الأحوال خاصة وهي لا تزال في حال الضعف والتخلف والاستبداد والتبعية، فتعدد القطبية في هذه الحالة سوف يعمق الفرقة بين دول العالم الاسلامي، ويزيد من إذكاء الحروب والصراعات، كما كان الحال في فترة الحرب الباردة، حيث استوت الحكومات في الدول العربية والاسلامية الاشتراكية والرأسمالية في مقاومة تيار الصحوة الاسلامية ومحاولة احتوائه طوعا وكرها لمسخه وتشويهه.

> إن الدول الإسلامية وشعوبها مدعوة إلى بناء ذاتها بناء إسلاميا وذاتيا واستثمار فرص التعدد القطبي بما يحقق مصالح العالم الاسلامي أكثر، في الحوار والمناورة وتأكيد الاستقلالية الذاتية بما تملكه من قدرات تاريخية ومؤهلات طبيعية واقتصادية وموارد بشرية خبيرة.

– سادسا : إن السباق نحو التسلح، وتغليب الانفاق العسكري وإن كان ضروريا أحيانا فإنه ينبغي أن يخضع لمجموعات من الضوابط : لعل أبرزها :

– تغليب منطق العقل وأخلاق العدل والمساواة والقوانين، أكثر من تغليب المصالح الذاتية والقومية للأنظمة المتحكمة عالميا.

– تغليب المصالح الإنسانية والمدنية على جانب المصالح العسكرية : فلو تمت العناية بالقضايا الإنسانية العالمية من سلم وعلم وتعليم وصحة وغذاء، وتطوير البنى التحتية للمجتمعات بنفس القدر الذي أوليت للمسائل العسكرية لكان الوضع الإنساني العالمي اليوم أفضل بكثير. فمأساة العالم كله نابعة في أغلبها من  غلبة السياسات الأمنية والعسكرية على غيرها مما هو ذو طابع إنساني. لذا فإننا نؤكد أن الإنفاق على بناء الإنسان وتكوينه وتعليمه وتطبيبه وتغذيته ورعايته أسبق وأولى من الإنفاق على بناء مصنع لصناعة السلاح كيفما كانت قوته ووضعه في يد فقيرة بطنا وعقلا ونفسا!! أو مريضة بحمى التعصب والتطرف والعدوانية والنزعة الهيمنية!!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *