الحكمة من شهر رمضان


من المعلوم أن لرمضان حكما وأهدافا وغاية، وبداية ونهاية، وعلى المسلمين قاطبة أن يغتنموا كل أوقاته بالطاعات والقربات، وبتقديم ما يرضي الله في كل الأوقات، إنه ضيف جليل عزيز كريم، أهل علينا بأنفاسه الخاشعة، وبرحماته الندية، ولا أعلم ضيفا هو أكرم عند الله سبحانه وتعالى من هذا الضيف، إنه شهر القرآن، إنه شهر الصيام، إنه شهر الإحسان، إنه شهر العتق من النيران، شهر عظمه الله، فيجب تعظيمه من قبل الأنام.

ونظرا لما يجري فيه من عادات وتقاليد تتنافى وحرمة هذا الشهر المقدس، أتساءل أرمضان الأرواح والقلوب؟ أم رمضان البطون والأجسام؟ وهذه هي النقطة الوحيدة التي يجب أن يقف عندها جميع المسلمين ليعلموا ما هو رمضان وما هي رسالته إلى المسلمين، وما حكمة مشروعيته في الدين؟ وهل هو كما عهدناه مجرد جوع وعطش وإمساك، ونوم وسَهر وإغراق في الترف والملذات، أم هو رمضان آخر؟ فيه من المعاني السامية والأغراض النبيلة ما يجعله جديرا باحترام وتقدير المسلمين إياه.

فلقد شرع الله الصيام ليذوق الغني فيه حرارة الجوع والعطش ومرارة المنع والحرمان، فينفق على الفقراء والمساكين ويعطف على البائسين والمحتاجين، ولكي يعرف الفقير قيمة نعمته وإن قلت، فيكبر منها الصغير، ويعظم منها الحقير، وليعلم العالم كله عظيم فضل الله عليه، وجميل إحسانه إليه، إذ أن أبسط النعم قبل رمضان كالماء مثلا، تكون من أعظمها في رمضان، ولكي يعرف الإنسان مدى غروره بنفسه وجهله بها، لأن الإنسان إذا عرف أن حياته موقوفة على لقمة من الخبز وشربة من الماء، عرف مقدار عجزه، ومبلغ ضعفه وشدة احتياجه إلى ربه. وبالجملة فإن رمضان يربط العالم الإسلامي كله برباط واحد وثيق، هو رباط الصيام ويجمع صفوفهم تحت لواء واحد هو لواء الإسلام، فرمضان رسالة روحية  عالمية فيها من سعادة الفرد والمجتمع ما لو علمه المسلمون وعملوا به لقادوا العالم كله إلى الأمن والسلام، ولأرشدوا الإنسانية كلها إلى الهدى والنور، ولقد أدرك السلف الصالح، ما في الصيام من حكم وفوائد، فكانوا مثلا أعلى في احترامهم لرمضان، وآية ذلك، أنهم صاموا بكليتهم  إلى الله، صاموا ببطونهم عن الطعام والشراب، وبقلوبهم عن الحقد والحسد، وبعقولهم عن المكر والخداع، وبنفوسهم عن الشره والطمع، وبألسنتهم عن الغيبة والنميمة، وبعيونهم عن الأعراض والحرمات، وبآذانهم عن سماع الفحش والبذاء، وبأيديهم عن الغش والإيذاء، وبأقدامهم عن السعي إلى الفساد حتى إذا ما أذن المغرب أفطروا على الحلال من الطعام والشراب، وأشركوا معهم إخوانهم في الله من الفقراء والمساكين ثم اتجهوا إلى بيوت الله فعمروها بالذكر والصلوات والتسبيح والتحميد والدعاء والاستغفار، فلا يزالون كذلك حتى مطلع الفجر، وهكذا كان نهارهم طاعة وصياما، وليلهم قياما وإكراما، وكان لا ينتهي رمضان إلا وقد صفت أرواحهم وقوي إيمانهم، وغفرت ذنوبهم، وأحب فقيرهم  غنيهم، وتقرب غنيهم من فقيرهم، ورضي الله عنهم ورضوا عنه، فنصرهم على أعدائهم، وحقق لهم كل آمالهم ورجائهم، لأنهم وقفوا جميعا كتلة واحدة أمام جند الشيطان، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون، أما رمضان المسلمين في هذه الأيام فهو شهر عادي كسائر الشهور، إلا أنه يمتاز عنها بكثرة النفقات، ومضاعفة التكاليف، والمبالغة في إعداد ألوان الطعام والشراب، فالصيام عندنا هو إضراب الإنسان عن الطعام في وقت معين، ثم يهجم عليه في وقت آخر، فيعوض ما فاته منه، وهذا لعمري صيام لا يعالج أرواحا، ولا يهذب أخلاقا، ولا يقهر شهوة ولا يقاوم شيطانا، فإن كنا مسلمين حقا، ومومنين صدقا، فلنتزود فيه للدار الآخرة بما يرضي الله ورسوله، فقد جاءنا موسم عظيم للطاعة والعبادة، ومرتع للخير والفلاح، وميدان للعمل والجهاد {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} فالله جلت قدرته قد شرع لنا صيام شهر رمضان، وكلفنا بالقيام فيه، ليعالج به نفوس المومنين، ويداوي به قلوب المتقين، فلا نقصر في صيامه وقيامه، ولا ننبذ فضائله وآدابه، ولنجاهد فيه أنفسنا وشهواتنا، يضاعف الله لنا أجورنا، ويرفع لنا درجاتنا، والله يحب المتقين.

ذ. محمد حطاني – فاس –

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *