إشكالية التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي


أولا : تعريف التجديد :

التجديد لغة : عرفه ابن منظور الافريقي في لسان العرب  2/202 والرازي ومحمد بن ابي بكر في مختار الصحاح ص: 95 :”تصيير الشيء جديدا، وجد الشيء، اي صار جديدا” وعرفه احمد بن علي المقري في المصباح المنير، ص: 92 : “وهو خلاف القديم، وجدد فلان الامر  وأجده واستجده اذا احدثه”.

فالتجديد لغة يعني وجود شيء كان على حالة ما، ثم طرأ عليه ما غيره وأبلاه، فاذا أعيد الى مثل حالته الاولى التي كان عليها قبل ان يصيبه البلى والتغيير كان ذلك تجديدا.

أما شرعا : فالتجديد هو نفسه التجديد اللغوي عينه، مضافا اليه ما تقتضيه طبيعة  الاضافة الى الشرع من مدلول خاص ومعنى جديد. وقد تنوعت عبارات العلماء في تعريف التجديد، وتعددت صيغهم لكنها لم تخرج عن محاور ثلاثة :

> 1) المحور الاول : احياء ما انطمس، واندرس من معالم السنن ونشرها بين الناس، وحمل الناس على العمل بها :

* قـــال محمد بن عبدالر حمن بن علي بن ابي بكر العلقمي  : “معنى التجديد : احياء ما اندرس من العمل من الكتاب والسنة والامر بمقتضاها”، ويضيف قائلا عن دور المجدد : “يجدد ما اندرس من احكــام الشريعة، وما ذهب من معالم السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة” المناوي، محمد بن عبد الرؤوف فيض القدير شرح الجامع الصغير 1/14.

* ويقول المودودي :”المجدد : كل من احيا معـــــالم الدين بعد طمــوسها، وجدد حبله بعد انتقاضه” المودودي، ابــو الاعلى، موجز تاريخ تجديد الدين، ص : 13.

> 2) المحور الثاني :  قمع البدع والمحدثاث، وتعرية اهلها واعلان الحرب عليهم، وتنقية الاسلام مما علق به من أوضار الجاهلية، والعودة به الى ما كان عليه زمن الرسول  وصحابته الكرام :

* قال المناوي : “يجدد لها دينها :   أي يبين السنة من البدعة، وينصر أهله ، ويكسر أهل البدعة ويذلهم” المناوي، فيض القدير 2/357.

* ويقول العظيم آبادي في عون المعبود، شرح سنن ابي داوود 11/391 : ” التجديد : احياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والامر بمقتضاهما، واماتة ما ظهر من البدع والمحدثات “

* أما السيوطي في جامعه الصغير فيقول أن :” المراد بتجديد الدين، تجديد هدايته، وبيان حقيقته وأحقيته، ونفي ما يعرض لاهله من البدع والغلو فيه،أو الفتور في اقامته، ومراعاة مصالح الخلق، وسنن الاجتماع والعمران في شريعته”.

> 3) المحور الثالث : تنزيل الاحكام الشرعية على ما جد من وقائع وأحداث، ومعالجتها معالجة نابعة من هدي الوحي :

يقول عبد الفتاح ابراهيم :”التجديد : يعني العودة الى المتروك من الدين، وتذكير الناس بما نسوه، وربطه بما يجد في حيــــاة الناس من أمــور، بمنظور الدين لها، لا بمنظارها للدين”.  حسن الترابي وفساد نظرية تطوير الدين، ص 53.

ومن مجموع هذه التعريفات للتجديد يمكننا  صياغة تعريف جامع له على الشكل التالي : التجديد هو احياء وبعث ما اندرس من الدين، وتخليصه من البدع والمحدثات، وتنزيله على واقع الحياة ومستجداتها من دون بتر او تحوير او اضافة لان ذلك يؤدي الى الخروج عن الاسلام، وافتراء على الله، وافتيات على الناس، وتهجم على الحق بغير علم.

ثـــانيا : مفهوم التجديد فــي الفـكــر الاسلامي :

مصطلح >التجديد< هو من أكثر المصطلحات إثارةً وتداولا في الفكر الإسلامي، وفي الوقت نفسه يثير حساسية بالغة في بعض الأوساط نتيجة لسوء استخدامه وتغيير النصوص الدينية والاحكام الفقهية والشرعية، تحت عباءته. وإذا كان المؤتمر الثالث عشر للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر قد عقد مؤتمره الكبير تحت عنوان >التجديد في الفكر الإسلامي< فإنه بذلك يثبت مدى إلحاح هذا المصطلح وانتشاره من جهة، ويدفع به إلى حيز التداول الشرعي من جهة أخرى.

فأهمية هذا >المصطلح< لم تعد خافية، ولا يجوز أن تكون كذلك، وإلاّ فسوف نكون خارج كل ما يحدث من حولنا. وبالرغم من كل ما تعرض له المصطلح من شروح أو اعتراضات أو انتقادات أو تفسيرات بقي مضبّباً، يختلف مفهومه من كاتب إلى آخر، ومن مفكرٍ إلى مفكرٍ آخر، وهكذا أصبح من العسير اعتماد معنى واحد له. وربما يجد البعض في هذه الضبابية ميزة للمصطلح، حيث تحثّ هذه الضبابية على التفكير والإبداع، أو ما يسمى فلسفياً ب- >لعب دورٍ إشكالي<. لكن في كل الأحوال يبقى لعدم الوضوح دور سلبي يتمثل في انقطاع التواصل واستمرار الصراع والخلاف (وليس الاختلاف).

فقد ورد مفهوم >التجديد< أوّل مرة في تاريخ الإسلام في النص النبوي الشريف: >إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها<(رواه أبو هريرة ] واخرجه ابو داود).

ويمكن القول  إن مصطلح >التجديد< لم يكن طوال حقبة السلف مفهوماً يقوم الجدل حوله وعليه، يؤدي الانقسام في تفسيره إلى الانقسام إلى تيارات فكرية كبرى، مما يعني أنه كان يأخذ حيّزاً فرعياً هامشياً نسبةً إلى قضايا الأمة الأخرى، فلم يكن قط على النحو الذي نشهده اليوم، الذي أصبح الاختلاف فيه أساساً لتشكل تيارات ومذاهب فكرية برمتها.

هذه الهامشية لمصطلح التجديد عند السلف تفسّر ثبات موقع مصطلح >التجديد< في >شروح< الحديث النبوي إجمالاً، ضمن ما يشرح عادة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان أفرد في أحايين قليلة بالشرح في بعض الرسائل الصغيرة، ولعل وجود مفردات ومصطلحات أكثر تعبيراً عن حاجات المجتمع الإسلامي والقضايا التي تشغله آنذاك مثل >الاجتهاد، والإحياء،.. الخ< قد أسهم كثيراً في عملية التهميش لدور هذا المصطلح (التجديد).

وهذا يبين بأن مصطلح >التجديد< نفسه ما كان يرِدُ في كتب السلف أساساً لولا وروده في الحديث النبوي الشريف، على العكس مما هو عليه الحال اليوم، حيث لم يكن مصطلح >التجديد< مجرّد استنباط من النص النبوي أو استعارة منه، كما سيأتي.

وفهم السلف لهذا المصطلح وشروحه ينبني على ثلاثة مفاهيم له، لا تشذُّ عنها كل الشروح (ونذكر هنا أن الشيخ محمود الطحان كان قد ألف رسالة صغيرة عام 1984م بعنوان >مفهوم التجديد: بين السنة النبوية وأدعياء التجديد المعاصرين<، لكنه لم يستقصِ بشكل بحثي هذا المفهوم )

> 1- الإحياء:

يظهر تفسير >التجديد< هنا بمعنى >إحياء ما اندرس من السنة< أو >إحياء الدين< عندما تكون تحديات العصر الكبرى، التي وُجد المفسّر فيها، من النوع الذي يهدد الكيان الإسلامي على مستوى عقائده ومجتمعاته وأخلاقياته وقيمه على نحو كلي، ولعل هذا التفسير هو أوّل ما ورد عن التعريف بمفهوم هذا المصطلح في كل شروح السنة الشريفة، وهو قول الزهري رحمه الله (التابعي الجليل) الذي يفهم من وصفه للخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز بمجدد القرن الأول (انظر: ابن حجر العسقلاني، توالي التأسيس لمعالي محمد بن ادريس، تحقيق: عبد الله القاضي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1986م، ص48).

وهو المعنى الذي تبناه ابن حجر فيما بعد حيث يقول في الحديث النبوي: >إن الله تعالى ليبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها<(رواه أبو داود بسند صحيح) ما يشير إلى أن المجدد المذكور يكون مجدِّدًا عاماً في جميع ذلك العصر، وهذا ممكن في حق عمر بن عبد العزيز، إلاّ أنه وإن لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم والعدل، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلاّ أن يُدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المئة الأولى<.

على أن أمثال عمر بن عبد العزيز بفقهه وورعه كثيرون في زمانه< لكن هذا اللقب الذي منحه أو توسَّمه الزهري فيه جاء بسبب ما فعله من إعادة الحياة للخلافة الإسلامية ومرافقها، التي ما لبثت أن عادت إلى ما كانت عليه من قبله.

وهذا أيضاً عند ابن الأثير، وإن كان لا يخرج عن معنى >الإحياء<، فهو يرى أن >التجديد< إحياء الدين، إذ يقول: >فالأجدر أن يكون ذلك إشارةً إلى حدوث جماعةٍ من الأكابر المشهورين على رأس مئة سنة يجددون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلّدوا فيها بمهتديهم أئمتهم< (جامع الأصول، تحقيق: الأرناؤوط، ج11، ص321)، والإطار التاريخي لتفسير ابن الأثير هذا لمصطلح >التجديد<، هو حقبة الحروب الصليبية التي كانت تدور رحاها آنذاك.

ذ. اسعيد مديون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *