حول مفهوم التربية في الإسلام


ذ. مصطفى اليعقوبي

أول إشكال يصادفنا ونحن نود الحديث عن مفهوم التربية في الإسلام هو: هل يملك الإسلام منهجا في التربية حتى نتساءل عن مفهوم التربية الإسلامية؟

قد يكون من غير المجدي التساؤل عن وجود التربية الإسلامية أوعدمها ذلك أن الإسلام نفسه تربية، فالإسلام والتربية متلازمان من وجه إذ لا يتصور إسلام بلا تربية مع إمكانية وجود تربية بلا إسلام. ومع أن الأمر يكاد يكون من البديهيات فلا بأس من الوقوف عنده ذلك لأن البعض لازال يرى أن الإسلام بوصفه دينا لا علاقة له بالتربية إطلاقا، فالدين عندهم علاقة هذا الإنسان بالخالق وإعداد له -بوصفه فردا- للآخرة، في حين أن التربية هي إعداد للإنسان كي يعيش في الجماعة الإنسانية في هذه الحياة الدنيا.من هنا فلا حاجة لارتباط التربية بالدين ؛ بل ينبغي لها -إن هي أرادت النجاح- أن تعتمد العلم وحده، بل أن تصبح هي علما مجردا عن أي رؤية دينية.

هذا التصور قائم على مغالطتين اثنتين :

> الأولى : القول بأن التربية علم من العلوم من غير تمييز بين أصناف العلوم. التربية كما هومعلوم من العلوم الإنسانية؛ بل هي أشد هذه العلوم ارتباطا بالإنسان، ومثل هذا الصنف من العلوم يستحيل استقلاله أبدا عن الخلفيات المذهبية والمنطلقات العقدية والفلسفية؛ ويمكن القول -بعبارة أوجز- إن وضع أي تربية للإنسان لا بد وأن يسبقه وجود تصور عن هذا الإنسان : ماهيته؛ وظيفته؛ مصيره؛ علاقاته بمختلف عناصر الوجود…

> الثانية : القول إن الدين لا علاقة له بالعلم قول قائم على تصور للدين ومفهومه ووظيفته يعد نتيجة لظروف وشروط  تاريخية معينة مر بها المجتمع الأوروبي؛ هذه الظروف التي تميزت بالصراع الحاد بين الدين الكنسي -والذي كان يمثل القهر والاستبداد والاستعباد- وبين العلم الذي مثل التنوير والتحرر، وحسمت المعركة لصالح العلم وحصل ما عرف في التاريخ الأوروبي بالفصل التام بين كل ما هو ديني عن الحياة الإنسانية بمختلف مجالاتها وميادينها. هذا التصور للدين بمفهومه الكنسي،يرى البعض أنه ينسحب على أي رؤية دينية كيف ما كانت طبيعتها، فكانت النتيجة أن ارتفعت أصوات بإقصاء الإسلام أيضا -بوصفه دينا- عن الحياة سياسة واقتصادا واجتماعا وثقافة وفكرا وتربية…

لكن منطق الحق والتاريخ يبطل هذه الدعوى من أساسها، فما كان للإسلام في يوم من الأيام مؤسسة دينية مقدسة تفرض أوهامها وخرافاتها على الناس وإن أبتها عقولهم، وما كان هذا الإسلام أبدا عونا للظلم والاستبداد.

إن التاريخ يشهد أن هذا الدين أسس حضارة قوامها العدل والمعرفة، إنها حضارة العلم والإيمان والعدل والإحسان، والناظر في هذه الحضارة ومنجزاتها وإشعاعها الممتد عبر الزمان والمكان لا يسعه إلا أن يسلم أن وراء هذا كله منهجا تربويا ما ؛ وليس هذا المنهج إلا التربية الإسلامية المنبثقة من الوحي. إن الأسلوب الذي حول أناسا قساة جفاة تمتلئ قلوبهم ونفوسهم بقيم الجاهلية الفاسدة إلى رجال يضرب بهم المثل في القيم والمثل الإنسانية العليا؛ هذا الأسلوب ليس إلا تربية الإسلام، يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي : “فقد كنت أعتقد أن هذا الكتاب -يقصد القرآن الكريم- الذي ربى أجيالا من البشر ذوي نفوس وعقليات وثقافات وطبائع مختلفة، حتى صاغها جميعا في نفس واحدة، هذا الكتاب ينبغي أن يكون مرتكزا في أصول دعوته وطرائق تربيته على أسس من التربية الرائعة المثلى.”(1)

هذه التربية الإسلامية -ولئن أنكر البعض وجودها- هي واضحة وضوحا البديهيات، وهي خالية من التعقيدات الاصطلاحية والمفاهيمية والتنظير المجرد عن الواقعية، ولعل هذا الأمر كان سببا في ادعاء هؤلاء خلوالإسلام من أي منهج للتربية. فلما لم يجدوا في القرآن الكريم حديثا مفصلا عن نظريات التربية ومدارسها وطرقها وما إلى ذلك من المصطلحات والمفاهيم التي تعبر عن تقنيات أكثر مما تدل على مبادئ وأصول التربية ؛زعموا أن الإسلام خال من أي تصور تربوي، ولو أنهم فتحوا أعينهم وعقولهم على الثقافة الإسلامية وأصولها ومكوناتها لتجلى لهم المنهج التربوي بوضوح من خلال توجيهات القرآن الكريم وأقوال النبي  وأفعاله(2).

الآن وقد ثبت زيف دعاوى الخصم وتبين أن للإسلام رؤية تربوية خاصة به، فما المقصود بهذه التربية المنسوبة للإسلام؟ وما هي مصادرها؟ وما هي الثوابت والمتغيرات في هذه التربية؟

إذا كان الإسلام هونظام الحياة الكامل المتكامل، فإن التربية الإسلامية عموما هي ” تربية الإنسان على أن يحكم شريعة الله في جميع أعماله وتصرفاته ثم لا يجد حرجا في ما حكم الله ورسوله، بل ينقاد مطيعا لأمر الله ورسوله…”(3) ولما كان الإسلام يهدف إلى بناء الفرد الذي يعمل وفق شرائعه وقوانينه كانت التربية الإسلامية هي “التنظيم النفسي والاجتماعي الذي يؤدي إلى اعتناق الإسلام وتطبيقه كليا في حياة الفرد والجماعة”(4).

إن الإسلام يضع أمام الفرد الصورة التي ينبغي أن يكون عليها؛ أي انه يقدم له النموذج الذي يسير عليه نحو تحقيق الكمال الذي هيئ له ؛ من هنا كانت التربية الإسلامية بمعناها القرآني ” هي إيصال المربى إلى مرتبة الكمال الذي هيئ له، والتربية هي حيثية إيماننا بألوهية الله، فنخن آمنا بالله معبودا لأننا آمنا به ربا، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا أن نوجه الشكر لصاحب النعمة (الحمد لله) وحيثية ذلك أنه رب العالمين، إذن فالتربية مأخوذة من حيثية إيماننا بالله…”(5)

وقد جمع ذ. عبد الرحمن النحلاوي خصائص هذه التربية الإسلامية ومميزاتها  والمجالات التي تشملها حيث يقول :” التربية هي تنمية فكر الإنسان وتنظيم سلوكه وعواطفه على أساس الدين الإسلامي وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة، أي في كل المجالات.”(6) فالتربية -إذن- هي تنمية للعقل لاستقبال المعارف، ثم تربية هذا العقل أيضا على كيفية التعامل مع الكون والحياة والإنسان والنظر إلى ذلك وفق منهج يمكنه من تحديد علاقته بهذه العناصر الثلاثة والانتفاع بالكون وما فيه من خيرات على وجه يحقق للبشرية الخير ويضمن بقاءها واستمرارها.

إن العملية التربوية في المنظور الإسلامي هي التي “تعمل على المحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها وتنمية مواهبه واستعداداته، وتوجيه الفطرة والمواهب والاستعدادات وفق توجيهات الإسلام، وتعمل أيضا على السير في هذه العملية بتدرج”(7) هذه التربية الإسلامية ليست عملية عشوائية بل هي عملية هادفة لها أغراضها وأهدافها وخططها وغاياتها، وأنها تقتضي خططاً متدرجة يترتب بعضها على بعض، وفق ترتيب منظم ينتقل مع المربى من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة.

ومعلوم أن أي عقيدة أوفلسفة في الحياة إلا وتهدف إلى بناء الإنسان (فردا ومجتمعا) الذي ينسجم مع الوجود (بما فيه ومن فيه) من خلال تلك العقيدة أوالفلسفة نفسها، ” فالتربية الإسلامية كالتربية اليهودية، والتربية المسيحية، والتربية الرأسمالية، والتربية الشيوعية… وغيرها من ألوان التربية، لا تعدوأن تكون نظاما يتحقق من خلاله وجود الإنسان المسلم، والمجتمع المسلم تماما كما يتحقق وجود الفرد والمجتمع اليهودي والمسيحي والرأسمالي والشيوعي من خلال نظام تربية هذا المجتمع أوذاك لأبناءه”(8)

إذا كانت التعاريف السابقة قد ركزت على بعد الرعاية والتنمية؛  فإن البعض رأى أن بعد التغيير هوجوهر العملية التربوية يقول ذ. عبد السلام ياسين : “التربية في مفهوم القرآن والحديث تغيير باطني لنفس الإنسان”(9). ويرى د. عبد الحليم محمود أن التربية “هي الأسلوب الأمثل في التعامل مع الفطرة البشرية، وتوجيهها توجيها مباشرا بالكلمة، وغير مباشر بالقدوة، وفق منهج خاص، ووسائل خاصة، لإحداث تغيير في الإنسان نحوالأحسن”(10).

إن إضافة بعد التغيير في العملية التربوية يفيد أن التربية الإسلامية لا تقتصر على تربية النشء -أي الصغار -ورعايتهم والمحافظة عليهم، بل إنها تربي الكبار والشيوخ أيضا وذلك بالعمل على تغيير الأنفس من حال إلى حال، وهذه مهمة أصعب من مجرد تنمية النشء ورعايته. ولقد برهنت التجربة التاريخية أن التربية الإسلامية قد اجتازت هذا الامتحان بنجاح معجز.

وأخيرا يلخص د. عبد السلام الهراس مفهوم التربية الإسلامية -مركزا على خاصيتي التكامل والشمول في إعداد الفرد والمجتمع- في كونها “صياغة للفرد صياغة حضارية إسلامية، وإعداد شخصيته إعدادا شاملا ومتكاملا من حيث العقيدة والأخلاق والذوق والفكر والعقل، ليتحقق فيه الفرد الذي يكون الأمة الوسط والأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، وهذه الخيرية لم تستحقها إلا بالتقوى المتمثلة في الامتثال للأوامر والانتهاء عن المناهي والإيمان المستمر بالله”(11)

هذا هوالمفهوم الشامل والمتكامل للتربية الإسلامية، حيث تصبح التربية هي الحياة كلها بجزئياتها وتفاصيلها. إن التربية الإسلامية ليست محصورة في مجموعة من الدروس موزعة على وحدات أومجزوءات في برنامج دراسي معين وحصص أسبوعية محددة. إن مثل هذا التصور للتربية الإسلامية والوضعية التي تعيشها نتيجة لهذا التصور تؤثر سلبا على الإنسان وتجعله الضحية الأولى حيث يصبح كلا على مجتمعه أينما يوجهه لا يأت بخير” فالتوهم أن التربية تقتصر على كتاب أوكتب، أوأن التربية الإسلامية حدودها كتاب التربية الإسلامية المدرسي هوبحد ذاته سبب من أسباب الخلل والعجز الذي تعاني منه العملية التربوية، والقصور في إنتاج الإنسان الصالح المتكامل”(12).

إن التربية الإسلامية فلسفة وتصور كامل للوجود بما فيه ومن فيه، والعمل على تحقيق هذه الفلسفة وأهدافها، وتجسيد ذلك على مستوى الواقع لا بد له من انخراط جميع مؤسسات المجتمع من أسرة ومدرسة ومسجد وإعلام وجمعية ونادي و….

—–

1- د. محمد سعيد رمضان البوطي. منهج تربوي فريد في القرآن. ص: 14 – 15.

2- ذ. محمد قطب. منهج التربية الإسلامية.ج/1 -ص: 9.

3- ذ. عبد الرحمان النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، ص:18.

4- نفسه، ص : 21.

5- الشيخ محمد متولي الشعراوي، منهج التربية في الإسلام، ص :11 -12.

6- ذ. عبد الرحمان النحلاوي. أصول التربية الإسلامية، ص : 27.

7- ذ. سيف الإسلام علي مطر، التغير الاجتماعي دراسة تحليلية من منظور التربية الإسلامية.ص :32.

8- د. عبد الغني عبود ود. حسن إبراهيم عبد العالي. التربية الإسلامية وتحديات العصر، ص: 21.

9- ذ. عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، ص : 599.

10- د. عبد الحليم محمود. وسائل التربية عند الإخوان المسلمين دراسة تحليلية تاريخية.ص :15.

11- مجلة الهدى. عدد 10. السنة الثالثة.

12- د. عمر عبيد حسنة، من مقدمة كتاب الأمة “مقومات الشخصية المسلمة أوالإنسان الصالح” للدكتور ماجد عرسان الكيلاني. ص : 16.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *