تداعيات المخدرات على الفرد والأسرة والمجتمع


كل أسرة تتوقع من أبنائها أن يتصرفوا في الحياة بطريقة تتفق مع مقاييس سلوكية خاصة توارثوها وتعلموها مع الأيام، وهذه السلوكيات تضاف إلى مفهوم القيم والأخلاقيات السائدة في المجتمع، و الشباب الذين لا يستخدمون المخدرات إنما يفعلون ذلك لأنهم اقتنعوا بموقفهم ضدها، وهذا الاقتناع يستقر نتيجة لثبات حصيلة سلوكهم، وقيمهم وأخلاقهم، ثم إن المجتمع والأسرة وقيم الدين الحنيف تعطي لهؤلاء النشء المبرر لعدم التعاطي، وترفض مجرد محاولة تجربة المخدرات، وتساعدهم في الاحتفاظ بهذا المنهج في حياتهم.

المخدرات أخطر وأسرع الجرائم في المجتمع

مازال تعاطي المخدرات والاتجار فيها من المشاكل الكبرى التي تجتاح العالم بصفة عامة، ولقد أدركت فرنسا الخطر الذي يهدد فئتها الشابة بسبب المخدرات، فجندت كل طاقاتها للحد من تفاقم هذه الظاهرة بعدما تزايد عدد المدمنين في صفوف الشباب إلى 850000 ترأس هذه الحملة وزير الصحة، أما كوبا فقد منعت كل أشكال المخدرات في الأماكن العمومية، ناهيك عن الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول العربية كدول الخليج للحد من هذه الظاهرة. أما المغرب فحسب إحصائيات الجريمة من فاتح يناير إلى شهر نونبر 2004 بالدار البيضاء وحدها، فقد بلغ عدد الأشخاص المحالين على العدالة إلى 7055 شخص نوع القضية المحالين من أجلها هي المخدرات، ولذلك فلا يعرف حجم خطورتها إلا من يكابد معاناتها من أفراد وجماعات وأيضاً ممن شرفهم الله عز وجل بالعمل على متابعة ومعالجة ومحاصرة آثارها المدمرة. مع عدم الاستهانة بالجرائم الأخرى التي ترتكب داخل المجتمع، إلا أنني عميق الإيمان بأن المخدرات هي من أخطر وأسرع الجرائم في المجتمع. فكم من أب وأم شيدا آمالا بلا حدود وطموحات ليس لها مدى لمستقبل فلذات أكبادهم وعند تورط أحد أبنائهم >لأي سبب كان< فإن آمالهم تتبخر والطموحات تتلاشى عند اكتشاف لحظة الحقيقة. ولقد شاهدنا الكثير من العيون الدامعة والصدور التي تفوح بزفرات لاهبة نتيجة لانكسار الأمل في أغلى ما يملكون وهو >إرثهم الذي يفاخرون به< يرافق ذلك مشاعر هذه الأسرة من الخوف والقلق الدائم من المستقبل المجهول للضحايا من أبنائهم الغارقين في مستنقع المخدرات.ومعاناة هذه الأسر ومن يتعاطف معها من أقارب ومحبي الخير والفضيلة الذين لا يخلو منهم مجتمعنا المتكافل يوازيها شعور هائل بالمسؤولية لمكافحة هذا الوباء المدمر على كافة الأصعدة والجهود الرائعة التي يبذلها ليلاً ونهاراً أصحاب الضمائر الحية لحماية بلادنا الغالية وتحصين الشباب من الآثار السلبية للمخدرات. وهذا الجهد ما هو إلا استشراف لمدى ما تلحقه المخدرات من أضرار جسيمة بالفرد والمجتمع عند انتشارها >لا قدر الله<. إن التطوع لمكافحة هذا الوباء القاتل من كل فرد من أفراد المجتمع مهما بلغ مقدار جهده ومشاركته سيمكننا إن شاء الله من قلب المعادلة في نفوس الشباب.

آثــار المخدرات على الفـرد والأســرة والمجتمع والدين

وإذا نظرنا إلى تعاطي المخدرات والاتجار فيها، نجد أنها من المشكلات الكبرى التي تجتاح العالم بصفة عامة، والعالم العربي والإسلامي بصفة خاصة. وتعتبر مشكلة المخدرات من أخطر المشاكل لما لها من آثار شنيعة على الفرد والأسرة والمجتمع باعتبارها آفة وخطراً يتحمل الجميع مسؤولية مكافحتها والحد من انتشارها، والتعاون في مواجهتها والتصدي لها وآثارها المدمرة على الإنسانية والمجتمعات، ليس على الوضع الأخلاقي والاقتصادي ولا على الأمن الاجتماعي والصحي فحسب، بل لتأثيرها المباشر على عقل الإنسان فهي تفسد المزاج والتفكير في الفرد، وتصده عن واجباته الدينية، وتسلب إرادته وقدراته البدنية والنفسية كعضو صالح في المجتمع،  إنها تفقد العقل، وتفسد الأخلاق والدين، وتتلف الأموال وتخل بالأمن، وتشيع الفساد وتسحق الكرامة وتقضي على القيم، ومن الظواهر السلبية لهذا الخطر المحدق أن المتعاطي للمخدرات ينتهي غالباً بالإدمان عليها وإذا سلم المدمن من الموت فإنه يعيش ذليلاً بائساً مصاباً بالوهن، وشحوب الوجه، وضعف الأعصاب، وفي هذا الصدد تؤكد الفحوصات الطبية إصابة كثير من المدمنين بفيروس الوباء الكبدي الخطير، وغيره من الأمراض والأوبئة الفتاكة بسبب المخدرات والإدمان عليها.

كما أن المدمن من الناحية الاجتماعية يعيش بكل تأكيد حياة نفسية مهزوزة ينتابه القلق والاضطراب، ويهمل شؤون أسرته وواجباته ويفقد توازنه العقلي والحسي، فيصبح فردا لا هدف له ولا اهتمام، سوى إشباع شهواته، ورب جريمة شيطانية أدت إلى الاعتداء والقتل، حتى بأقرب الناس إليه كالزوجة والوالدين والأولاد والأطفال، ومدمن المخدرات يغدو قدوة سيئة لأفراد أسرته، ومن الظواهر الاقتصادية لإدمان المخدرات وتعاطيها فهي تؤدي إلى أضرار جسيمة في اقتصاديات الأفراد والناتج الوطني العام فتعاطي المخدرات نتيجته الحتمية الخمول وترك الواجبات وأداء الحقوق وكراهية العمل مما يؤدي إلى فقد المدمن لمصدر رزقه بسبب عدم التزامه وتدني مستوى كفاءته الإنتاجية والعقلية والجسمية، حتى يكون عبئا ثقيلاً وعالة مريضة على الأسرة والمجتمع، وقد أظهرت دلائل كثيرة على وجود تلازم وثيق بين الإدمان وجرائم الاعتداء على النفس والمال و العرض والأخلاق.

وما يزيد الأسى والحزن وحث الجهود والطاقات أن هذا الخطر الفادح يستهدف فئات الشباب فلذات الأكباد وقوام نهضة البلاد. وإزاء زحف هذه المخاطر الفتاكة لابد أن تتضافر الجهود لمحاصرة هذه الظاهرة عبر الوسائل الإعلامية المتعددة والمؤسسات التعليمية والمساجد، في تكريس الوازع الديني في التحذير منها. والوقوف بحزم في مواجهة أساليب واتجاهات التهريب والترويج لها. وثمرة لذلك ما وقع في شمال بلادنا من محاكمات للمتورطين في الترويج لهذه الخبائث.

الـوازع الديني سبيل للحد مـن الإدمـان

لعل كثيرا من المهتمين بمكافحة المخدرات وحماية المجتمع منها والعناية بسبل الوقاية من آفاتها، يذهب جل اهتمامهم إلى محاولة معرفة الطرق والوسائل التي تقي المجتمع بمختلف فئاته من خطر المخدرات، فترى بعضهم يذهب إلى تعديد الأسباب المادية التي تسهم في مكافحة المخدرات، كمحاربة تجارها وتفعيل دور وزارة الداخلية بمختلف أجهزتها، إلى غير ذلك من الأسباب.

والذي اعتقده وأجزم به أن أعظم سبب للوقاية من شرور المخدرات وآفاتها هو (الوازع الديني)، لسبب ملموس في الواقع اليومي لحياة الناس، وهو أن الصفة المشتركة بين مدمني المخدرات هي البعد عن الله، فقلما أن تجد مدمنا للمخدرات قريبا من الله، وفي الجانب الآخر تجد الشباب الملتزم بعيداً كل البعد عن آفة المخدرات وشرورها، لأن السبب الذي منعه منها هو مخافة الله.

ومن الوسائل التي يجب أن نسلكها ككتاب أو إعلاميين أو مسؤولين للحد من هذه الظاهرة هو العمل على:

1- تبصير الشباب بعقوبة مهربي ومروجي المخدرات من غرامة مالية أو عقوبة حبسية.

2- غرس المثل الأخلاقية لدى الشباب.

3- التركيز في الإرشاد الوقائي على اتجاهات الشباب نحو المخدرات وعرض ذلك بأسلوب بسيط يراعي فيه الصدق والواقعية والبعد عن التهويل والمبالغة.

4- الزيارات الميدانية للمؤسسات التعليمية من أجل التوعية بخطورة المخدرات.

5- توعية أولياء أمور الشباب بأضرار المخدرات من خلال الندوات والمحاضرات واستدعائهم لحضورها، ومن خلال النشرات والملصقات والكتيبات والتلفزة.

6- وضع مسابقات بين التلاميذ للتوعية بأضرار المخدرات والإدمان عليها من خلال كتابات ومقالات ولوحات ورسوم.

7- توعية الأسرة وتنمية الوازع الديني والأخلاقي لدى جميع أفرادها، وتوضيح أهمية الرعاية للأبناء وخاصة المراهقين منهم والاهتمام بتوعية أصدقائهم ومعرفة الأماكن التي يرتادونها ومراقبتهم وشغل أوقات فراغهم.

ذ. عبد الوهاب الصديقي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *