العقـد الضــائـع


ذ. رحماني امحمد

أفرزت الحالة المزرية التي تعيش فيها الأمة العربية والإسلامية تساؤلاتٍ عدةٍ حول مصيرها وكيفية النجاة من هذا الوضع الخانق الذي لربما سيترك فيها جراحا تنْكَى لها الأعداء وتستقطب الذباب الأممي من شتى أصقاع المزابل العالمية حتى تسقط على جرح الأمة آخذةً منه الدمَ ناقلة إليه المرض.

ولعل كثيرا من الخبراء والمحللين سواءٌ الأجانب أو الذين رضعوا من حليب الأمة وهم يدرسون مسار الأمة تاريخيا وفكريا أعطوا نتائج لما ستَرُوم إليه الأوضاع في المستقبل فكانوا بين التحذير والإنذار وكأنهم قد رَقَبُوا قنبلة هي على وشك الانفجار فساروا يهْرَعُون في الناس أن أنقذوا أنفسكم وأهليكم.

لكن إذا صحّ قولهم وقُبلت دراستهم على سبيل التخمة والشِبَع لا على سبيل الجوع، إلى أين نفر ونحن أهل هذه الأمة؟! ومن أين نفر  إذا كانت النار التي سنفر منها وقودها أبناؤنا وزوجاتنا؟! أنرتمي في أحضان الغرب ونرضع من حليبه ونحن قد نبَتَتْ لنا النواجد! أنقبل بسياسته وهي قد ذَبَّحَتْ أبناءنا واستحيت نساءنا! أهذا ما خَلُصَت إليه دراساتكم وأبحاثكم! أنّ الأمة الإسلامية ستنفجر لأنها سارت على الطريق الخطأ ويجب علينا الفرار لأننا في السفينة الخطأ. أهذا ما أفرزته لنا سُيالتكم العصبية! بئس السيالة تلك إذن.

إن هذه الأزمة لن تحتاج إلى دراسة نابعة من أولئك الذين لا يحكمهم دين ولا تضبطهم ملة. أو إلى نتائج خلُصت إليها أفكار من جعلوا أنفسهم قنوات يمر عبرها الفكر الصهيوني والرجعي بكل ما يحمله من بؤس و مرض وخداع وتزييف ومكر وتقتيل وإرهاب في حق الإنسان المسلم.

إننا أمة قائمة بذاتها، لها منهجها وطريقها ولها تضحياتها على الرغم من ضيق الخناق عليها، إلا أنها في بُؤبؤة القنينة وستخرج يوما إلى طليعة التاريخ تغير مساره وتملأ آذانه وتغرق أوْداجَه، ليس بالتقتيل كما فعلوا ولا بالإرهاب كما نهجوا، وإنما بالعدل تُسَطِّرُه وبالإخاء تعدِّلُه وبالمساواة تضبطه، أيا تاريخ أنت تائه ضال، ولكن لك رجْعَةٌ يوم تقوم الأمة على أصولها، داعية إلى رياضها، ذاك يوم لم يعد بعيدا فأصداؤه تُسْمع وريَاحِينُه تُشَمُّ وفجره ينشق وصُبحه يتنفس، ألا فهل بحثتم أنتم عن مفر تفرون إليه؟!!

إن هذه الأمة لن تحتاج إلى إنسان عرف حقوق الإنسان سنة 1948 ليريها الطريق، فإن الأب لن يحتاج إلى رضيعه الصغير كي يعلمه المشي فإن ذلك مخالفة للطبيعة واستحالة في الوقوع، لكنهم أبَوا إلا أن يفعلوا ذلك، ولكنهم يعلمون زيغ أفكارهم وزهوق أرائهم، ووجب عليهم أن يضعوا أمراً مُهِماً نُصْبَ أعينهم وحلقةً في آذانهم -حتى لا يقولوا قد خُتِمَ على أبصارنا فلا نرى وعلى أسماعنا فلا نسمع- إنهم يوم كانت النُّخامة تَدِنّ من أنوفهم والأوساخ من أجسادهم وكانوا لا يفترقون عن الخنزير في أطعمتهم -ولذلك يحبون الخنزير ويعشقونه لأنه قد وانسهم في عصور الظلمة والتخلف فهو صديق الطفولة كما يقال- ولا يعرفون ربا ويعبدون حجرا -ويا لبُعد ما بين العبادتين فهم قد عبدوا الحجر وظنوه إلها والعرب عبدوا الحجر وظنوه مقربا- لا يعرفون طرق التعبير ولا آداب المجلس كانوا كالأنعام بل أضل سبيلا، يوم كانوا يعيشون في البوادي ينقرهم الدجاج وهم على بطونهم مبتوخين، يوم كا نوا كذلك كان الصبي المسلم يجابه القلم والقرطاس تحت اسطوانات المساجد، يوم كانوا كذلك كانت نساؤنا لا تفترق عن زهرات السهول النضرة في رياض الأندلس يوم كانوا كذلك كان رجالنا يلعبون بإدارة المياه في ساعات الحوائط بل حتى والعرب في أمواج الجاهلية يرتعون كانوا أرقى الأمم وأحسنها نظاما، اِسأل أقرب دارس للتاريخ يوجد قربك ولو كان منهم فسيقول كما قال العالم الإيطالي دوزي >إن العرب لم يحكموا بتعاليم فلسفة فقط بل بالفطرة والغريزة حتى حققوا بادئ ذي بدء مبادئ الثورة الفرنسية الشريفة وهي الحرية والمساواة والإخاء.. لقد كان البدوي يستمتع بحرية ليس أوسع منها على الأرض ويقول “لا أعرف مولى غير مولى العالم” إن هذه المبادئ عند العرب هي أفضل مما عند الأروبيين… وربما كانت أخلاق العرب أسمى من أخلاقنا ونفوسهم أكبر من نفوسنا وهم أكثر ميلا إلى العظمة  الإنسانية< وكذلك قالت >بلنت< و>مسيوشارم< و>مسيو دوفوجاني< وإن شئت فارجع إلى كتاب “حضارة العرب” لـ>غوستاف لوبون<.

واسألهم وغيرهم من أبناء جلدتنا عن المجتمع المكي قديما قبل مجيء الاسلام كيف تمكن من استقطاب حركة التجارة الدولية والمحلية في الجزيرة العربية آنذاك وحقق انتعاشا اقتصاديا ملحوظا في التجارة والعمران.

اِسألهم عن القبائل العربية يوم كانت مؤسسة ديمقراطية سجل من خلالها الانسان العربي عددا من الفضائل الإنسانية : ألم يكن قديما بإمكان العربي أن يقابل شيخ قبيلته على قدم المساواة والحقوق، من ينكر هذا؟ بل العرب اتخدوا خدمهم إخوانا ألم يقل >مسيو آبو< أن الرقيق في الحياة العربية بلغ مكانة عالية : >لايكاد المسلمون ينظرون إلى الرقيق بعين الاحتقار فإن أمهات سلاطين آل عثمان وهم من زعماء الإسلام المحترمين من الإماء ولا يرون في ذلك ما يحط من قدرهم<.

ألم يكن عند العرب دار فيها تحل المشاكل وتفصل المهام وتجمع الكلمة يقال لها دار الندوة؟!

ألم يكن الرجل البسيط في مكة إذا ظلم نادى في القبيلة بظالمه فتنتصر له القبيلة أجمعها وإن كان ظالمه سيداً من ساداتهم.

ألم يكن للعرب جهاز إعلام قومي قوي يذوذ عن البلاد ويدافع عن الأعراض يقال له الشاعر؟!

أينكر التاريخ أن الأمة العربية هي أول أمة وضعت معرضا للكلمة في تاريخ البشرية جمعاء في سوق عكاظ.

فقل لي بربك، متى عرفوا الحضارة؟!!

لقد ذهلت يوما وأنا أنظر إلى “المفسديون” حينما رأيت امرأة أمريكية يسمونها >خبيرة أسرة< تعلم نساءنا في قضاء الأسرة كيف يعاملن أزواجهن. هذه الأمريكية التي لا تعرف كم لزوجها من عشيقة وربما أجلست كلبها في موضع زوجها ترينا كيف نتعامل مع أزواجنا ونسائنا؟! إن هذه لهي الطامة الكبرى والمصيبة العظمى.

إننا لن نحتاج إلى دارس أو باحث يوصلنا إلى أن نكون ذنبا لكلب نجس. ولو كانوا من أبناء جلدتنا أو كما قال رسول الله  >دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها<، قيل : صفهم لنا يا رسول الله، قال : >هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا<.

نحن أمة لها علماؤها ودارسوها وباحثوها، ربما قد غيبوا أو ماتوا أو قتلوا، ولكن لازال لصوتهم وجود ولندائهم صدًى يحسبهم الجاهل أمواتا من طول السنين، فهذه كتبهم قد ملأت مكتباتنا وهذه أفكارهم قد أنارت طريقنا، فكيف نحتاج إليكم وفينا من فينا. هؤلاء علماؤنا قد درسوا تاريخ أمتهم وبينوه وحللوا الخلل وعاينوه ووضعوا أيديهم على الداء فقالوا : >أما عرب اليوم فإن الاستعمار الثقافي أحدث تخريباً شديداً في ضمائرهم وأفكارهم، وربما رأيت الواحد منهم يبلغ الأربعين أو الخمسين من عمره ولا يعرف كيف يصلي أما حصيلته من سائر المعارف الإسلامية فتدنو من درجة الصفر. وهذا الجيل الفارغ القلب واللب صيد سهل للمذاهب المادية الهدامة أو للمنصرين وسماسرة الغرب لأنه مهما كبرت الوظائف التي وضع فيها لم يتجاوز مرتبة الطفولة من الناحية الدينية< رحمك الله يا إمام.

هؤلاء هم علماؤنا والنجوم التي نهتدي بها في حلوك الليل وظلامه قد بينوا لنا الخلل والداء ووصفوا لنا الدواء : >ليس أمام المسلمين إلا طريق فذ لتطهير أرضهم وطرد عدوهم واستعادة النضرة إلى وجوه كساها الهوان هذا الطريق هو العودة إلى الإسلام ظاهرا وباطنا وترسُّم خط السلف الأول في صدق الإيمان وحسن العمل<.

نعم ورب الكعبة إن هذا لهو دواؤنا ما لنا فيه من شك ولن يعجز الإسلام على القيام إن نحن وطدنا الأرض وأرسينا المائل منها. فهو قد نقل فئاما من الرُّحل كانت تائهة في ربوع الصحارى تساير الهوام إلى رجال يطلبون العلا ويشيدون أبدع الحضارات، فلن يعز عليه أن ينقل قوماً قد أضاعوه يوما أو بعض يوم كالمرأة الحسناء سقط عقدها في ظلمة الليل فجثت إلى الأرض تبحث عنه قليلا، ثم تضعه فوق عنقها إكليلا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *