اللغة العربية وكتاب الله


د. عدنان علي رضا محمد النحوي

في هذه اللحظات من تاريخ المسلمين نلمس مستوى الوهن والضعف، والغزو المتواصل على العالم الإسلامي كله: غزو فكري علماني وغزو تنصيري وغزو سياسي وغزو عسكري إجرامي، كل هذا امتد قرونا طويلة والأعداء يعملون بصبر وخطة ونهج. لم تكن خطواتهم العدوانية ارتجالية، وإنما كانوا يتبعون نهجا محددا ويسعون على أهداف محددة.

والذي يهمنا في هذه الكلمة أن نبين أن من أول خطواتهم في مكرهم وعدوانهم محاربة أمرين رئيسين في العالم الإسلامي: اللغة العربية والقرآن الكريم،وقد حققوا في ذلك نجاحا حتى اليوم، ليس بسبب شدة مكرهم وكيدهم فحسب، وإنما بسب غفلة المسلمين.

وعندما يبتعد المسلم عن لغته العربية، فإنه يبتعد بذلك عن القرآن الكريم والسنة النبوية. انظر إلى واقع المسلمين اليوم حيث يظهر جليا أن اللغة العامية ولهجاتها سادت في البلاد العربية، وان اللغات القومية في عدد من ديار المسلمين هي التي سادت، وأن اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية سادت في عدد من البلاد الإسلامية، وعم الجهل بالكتاب والسنة تبعا لذلك، وتتابعت مشاريع غزو العالم الإسلامي فكريا وسياسيا وعسكريا، لتقوم كل هذه المشاريع على نجاحهم الواسع في عزل المسلم عن لغته العربية، ومن ثم عزله عن الكتاب والسنة.

ولندرك خطورة اللغة العربية في الإسلام وأهميتها فحسبنا أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي اختارها من بين لغات العالم، كما اختار محمدا  ليكون خاتم المرسلين رحمة لعالمين. فمنذ أن نزل الوحي الكريم على محمد  باللغة العربية، لم تعد اللغة العربية لغة قوم محدودين، ولا لغة العرب وحدهم، وإنما أصبحت لغة الإسلام، لغة العبادة، لغة كل مسلم في الأرض ! وامتدت اللغة العربية في الأرض مع امتداد الدعوة الإسلامية، ودخول الشعوب المختلفة في هذا الدين إيمانا به وتصديقا له، حتى جعلوا اللغة العربية هي لغتهم الأولى، فبها يكتبون أدبهم وفكرهم، وبها يعبدون الله، وبها يتعاملون مع خلق الله، ذلك كله لأنهم أدركوا أن استعمال اللغة العربية لتكون لغتهم الأولى عبادة له!  وارتبطت اللغة العربية ارتباطا وثيقا بكيان الأمة المسلمة كلها، فإن وهنت هذه وهنت تلك.

ولو تتبعنا تاريخ اللغة العربية فمن السهل أن تدرك أنها هي وكل لغات العالم نبعت من لغة آدم عليه السلام، ومما علمه الله. ثم أخذت لغة آدم عليه السلام تمتد في الأرض لتنشأ عنها لغات متعددة، كان اختلافها آية من آيات الله سبحانه وتعالى:

{ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتهم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين}(الروم:22).

ثم يأتي حديث رسول الله  فيما يرويه علي بن أبي طالب ] : >إن أول من فتق لسانه بالعربية المبيِّنَة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة<(1)

ثم نجد أن لغة النبي صالح، لغة ثمود تمثل مرحلة من مراحل اللغة العربية، وكأنها في كل مرحلة تحمل رسالة النبوة.

وامتدت اللغة العربية مع رسالة الإسلام تُشِعُّ أدوار البيان مدى الدهر، لتكون أعظم لغة لدى البشرية، لغة البيان الفريد الذي لا تجده في أي لغة أخرى، البيان الذي علمه الله للإنسان، بيانا مرتبطا بالقرآن الكريم: {الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان}(الرحمن: 1- 4).

وعندما نزل الوحي الكريم بقوله سبحانه وتعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر:9).

كان هذا التعهد يشمل حفظ لغة الذكر، لغة القرآن الكريم والسنة الشريفة، لغة الوحي الكريم ولغة النبوة الخاتمة.

أيها المسلم المؤمن: هذه لغتك العظيمة حملت كتاب الله وسنة نبيه محمد ، فانهض واحرص على إتقان اللغة العربية حرص إيمان وتوحيد، وبذلك تحرص على صدق تدبر كتاب الله وسنة نبيه الخاتم محمد .

وعندما قال سبحانه وتعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر}(القمر: 18- 22- 32- 40).

فلقد كان تيسير الله للذكر بأن جعل مفتاحين لفهم كتاب الله كما نصت على ذلك الآيات في كتاب الله، هذان المفتاحان هما:

- صــدق الإيمان.

- إتقان اللغة العربية.

{وإنَّه لَتَنْزيل رَب العالمين، نَزَل به الرُّوح الأمِين. على قَلْبك لِتَكُونَ من المُنْذِرين. بِلِسَان عَربي مُبِين}(الشعراء192- 195).

{ونُنَزِّل من القرآن ما هُو شِفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يَزِيدُ الظَّالمِين إلا خسارا}(لإسراء:72)

{ومَنْ أَظلم مِمَّن ذُكِّر بآيَات ربه فَأَعْرَض عنها ونَسِي ما قدّمت يداه إنا جعلنا على قُلُوبهم أكنة أن يَفْقَهوه وفي آذَانِهم وَقْرا وإن تَدْعهم إلى الهُدى فَلَن يهتدوا إذًا أَبَدًا}(الكهف: 57).

وكذلك:

{ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هذى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد}(فصلت: 44).

وآيات أخرى كثيرة حول هذا الموضوع.

والسنة المطهرة كذلك تفسر القرآن وتعين على فهمه، وبذلك نعتبر أن هذه العناصر الثلاثة: القرآن، والسنة، واللغة العربية، وحدة واحدة متماسكة لتكون الأساس لتدبر كتاب الله.

ودراسة كتاب الله وتدبره فرض على كل مسلم: >طلب العلم فريضــة على كل مسلم<(2).

وجلي أن العلم الذي هو فريضة على كل مسلم ليس الهندسة ولا الطب ولا العلوم التطبيقية، فيكفي أن يأخذ عدد من المسلمين من هذه العلوم بما يوفي حاجة الأمة وإنما العلم الذي هو فرض على كل مسلم دراسة الكتاب والسنة واللغة العربية دراسة جادة، لتكون هذه الدراسة أساسا لطلب أي علم آخر.

إلى ذلك يجب أن ينهض المسلمون في جميع معاهدهم التربوية وجامعاتهم، وفي بيوتهم.

ليجعلوا هذه الدراسة دراسة منهجية صحبة عمر وحياة لا تتوقف حتى يلقى المسلم ربه.

وقد كانت هذه سنة مدرسة محمد  فدراسة كتاب الله يجب أن تكون دراسة منهجية صحبة عمر وحياة لا تتوقف: بين تلاوة يومية، وحفظ منهجي ومراجعة منهجية،وكذلك دراسة السنة ودراسة اللغة العربية.

واعتقد أنه لو التزم المسلمون هذا النهج لتغير واقع المسلمين إلى خير كبير ونصر عزيز.

———

(ü) عرض قدم في ملتقى فيكيك الرابع لخدمــة القرآن والسنــــة المنعقد أيام 10 و11 و12 أبريل 2008م، في موضوع: “اللغـــة العربيـــة والتحديات المعاصرة”.

1 – صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم (2571) وأخرجه الشيرازي في ” الألقاب” وفيض القدير: الزبير بن بكار – علي، والطبراني الديلمي – ابن عباس.

2- صحيح الجامع الصغير وزيادته: (3913): الكامل لابن عدي والبيهقي عن أنس،والطبراني عن ابن مسعود،وآخرون.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>