رأسمال الداعية


إن الدعوة إلى الله عز وجل تاج يزين هامة من وفقه الله تعالى، وهداه إلى الأخذ بالأسباب التي تجعل منه داعياإلى الله جل وعلا على بصيرة، قال سبحانه {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله}(فصلت : 33).

وقد لا أكون مبالغا إذا قلت أن أهم أسباب نجاح الداعية، وأعظمها شأنا، وأرفعها منزلة : الصدق والإخلاص. فهما رأس ماله الذي إذا فقده غدت كلماته وحركاته وسكناته جوفاء لا أثر لها، وإن كان قائلها يحفظ المجلدات والأسفار، ولرب داعية قليل العلم، وافر الصدق فتح الله به قلوبا غلفا وهدى به فئاتاً من الناس، قال ابن القيم رحمه الله : >من أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فاللّه اللّه في إصلاح السرائر<. وقد كان ابن الجوزي رحمه الله واعظا لا يشق له غبار، يبكي الأمراء في مجلسه، وتخشع القلوب وتلين الجلود عند سماع كلامه، ومما يحكى أنّه غاب عن مجلس الوعظ يوما فقام مقامه أحد تلاميذه، فإذا هو في واد والناس في واد، وإذا العيون جامدة والقلوب لاهية، فلما عاد قال ابنه : يا أبت مالك إذا وعظت الناس فاضت عيونهم، ورقت قلوبهم، ومتى وعظهم غيرك جفت مقلهم وقست أفئدتهم، قال : >ىا بني، إن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستعارة<. وهذا لعمر الله هو الصدق الذي يجعل الداعية يخاطب نفسه قبل أن يخاطب غيره؛ قال بعض السلف : (إذا قمت واعظا للناس فكن واعظا لنفسك وقلبك، فإن الناس يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك…).

فالصدق بمثابة الوتر، والكلمات سهام، فإن كان الوتر متينا بلغ السهم مداه وأصاب مبتغاه، ومتى كان الوتر ضعيفا سقط السهم دون الهدف، ورحم الله ابن عطاء الله السكندري فقد وصف هذه المنزلة بكلام جامع مانع يستحق أن يكتب بماء العيون لا بماء الذهب، قال رحمه الله : كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز< واسمع معي إلى قول الجيلاني رحمه الله -في ذات السياق- وهو يعظ الدعاة والعلماء، قال : >كن صحيح السر، تكن فصيح العلانية<. وقبلهما قال سيد الصادقين وإمام الدعاة صلى الله عليه وسلم : >إن تصدق الله يصدقك< اصدق الله في دعوتك إليه، يرزقك حسن الدلالة عليه، اللهم ارزقنا الصدق واحشرنا مع الصادقين. آمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *