{ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه}


قال تعالى : {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه ياليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه}(سورة الحاقة).

عجيب أمر هذه الدنيا، يحبها الناس ولا تحبهم! يتعلقون بها ولا تتعلق بهم!!

وعجيب أمر هؤلاء الناس، يرون ما فعلته الدنيا بمن سبقهم فلا يتعظون، يرون كم تتبدل فيها الأحوال، وتتغير الأوضاع، ولكنهم -إلا من رحم ربك- في خدمتها متسابقون، وفي التشبث بها متنافسون {وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون} الذين يظلمون أنفسهم بإغراقها في شهوات الدنيا وملذاتها، وحرمانها من الاتعاظ بغدرها وكثرة تقلباتها…

لقد رأينا بأم أعيننا أسيادا أصبحوا في لحظات عبيدا، رأينا حكاما وقد أصبحوا محكومين، وسجانين صاروا مسجونين، ولقد شاهدنا -أنا وأنت- حكاما عليهم من ألقاب الجلالة والفخامة والسيادة ما تنحني له الجبال الشوامخ وقد أصبحوا في زنازن السجون منبوذين أو أصبحوا يحاكمون على رؤوس الخلائق وهم يموتون أسى وكمدا، أو أصبحوا فارين مطرودين…

ما رأينا أغنياء أتعبت أموالهم آلات الحساب على جدتها وتطورها وقد أصبحوا فقراء لا يملكون درهما ولا دينارا، بل رأينا منهم من يتكفف الناس ويسألهم!!

ورأينا أصحاب عقول كبيرة، وذكاء خارق وقد فقدوا عقولهم، وأصابهم الحمق والهبال..

ورأينا ورأينا… ولسان حال الجميع يقول :  إن الدنيا لا تدوم على حال، ولا تعطي لأحد عهدا.. ومع ذلك نتنافس في الانغماس فيها، وننسى أنها عما قليل ستلفظنا، وبعد حين سيعمرها أقوام غيرنا.

هذه الحقيقة من حقائق القرآن الناصعة ولكن أكثر الناس عن القرآن غافلون، ولحقائقه جاهلون، قال تعالى {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}(الرعد : 26) {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة..}(البقرة : 94) {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما}(الحديد : 20).

ولقد كا ن أخوف ما يخافه علينا النبي صلى الله عليه وسلم أن  تفتح علينا الدنيا فنتنافسها كما تنافسها غيرنا فتهلكنا كما أهلكتهم! هذا المعنى أدركه السلف رحمهم الله.

فهذا الحسن رضي الله عنه يقول : >إن كان أحدهم ليعيش عمره مجهودا شديد الجهد والمال الحلال إلى جنبه يقال له ألا تأتي هذا فتصيب منه؟ فيقول : لا والله، لا أفعل إني أخاف أن آتية فأصيب منه فيكون فساد قلبي وعملي< وبُعث إلى عمر بن المنكدر بماله فبكى واشتد بكاؤه وقال : >خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة مني نصيب فذلك الذي منه أبكي، ثم أمر به فتصدق به على فقراء أهل المدينة<.

هذا المال الذي يفسد القلب، وهذا الجاه والسلطان الذي يطغي صاحبه، لا يدوم، ولا ينفع حين تنشر السجلات، وتكشف الحسابات، ويخرج المخبوء، وهذا أبو شجاع عضد الدولة الملك المشهور، الذي كا ن يصول ويجول، والذي تسمى بملك الملوك “شاهنشاه” ومدحه الشعراء بقصائد عديدة، لم يستفق من غفوته، ولم ينتبه من غفلته، إلا والموت يدخل عليه الباب، دون استئذان حراس ولا مشورة حجاب، حينها وقد أخذ في  علة موته لم يكن له -كما يقول ابن كثير رحمه الله- كلام سوى تلاوة قوله تعالى : {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} فكان هذا هجيراه حتى مات<(1) وقال ابن كثير في سياق حديثه عن موت عضد الدولة أيضا >وقد تمثل عند موته بهذه الأبيات وهي للقاسم بن عبيد الله :

ثم جعل يكرر هذه الأبيات، وهذه الآية {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} إلى أن مات<(2).

فتأمل! وانظر هل يغني عنه ماله وسلطانه من الله شيئا؟!

—-

1- البداية والنهاية لابن كثير 312/11.

2- البداية والنهاية لابن كثير 313/11.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *