التراحم والتعاطف والتوحد


د. عبد الحفيظ الهاشمي

التراحم والتعاطف

التراحم : رحمة المؤمنين بعضهم بعضا بأخوة الإيمان.

والتعاطف إعانة المؤمنين بعضهم بعضا كما يعطف الثوب على الثوب تقوية له، وهما أيضا من الصفات الأساسية بنص الحديث الشريف، ووردتا بصيغة المفاعلة التي تفيد المشاركة، فكل مؤمن مطلوب منه أن يرحم كما يرحم، وأن يشفق كما يشفق عليه، وأن يرق قلبه ويلين لآخرين، كما ترق قلوبهم له وتلين، ولذا جاءت أحاديث تحث على هذا التآزر و التراحم بين المؤمنين منها:قوله صلى الله عليه وسلم : >من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا و الآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه<(رواه مسلم).

ومن نفس المعنى ورد عنه صلى الله عليه وسلم : >لا يزال الله في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه<(رواه الطبراني) وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه : >من لا يرحم لا يرحم<(أخرجه البخاري في باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته).

فالرحمة بالمؤمنين، عاطفة شريفة و خليقة محمودة، ولقد مدح الله بها رسوله في قوله عز وجل: {بالمؤمنين رؤوف رحيم}(التوبة : 128)

وتقابلها القسوة التي عاقب الله بها اليهود لما نقضوا العهود، إذ يقول سبحانه: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية}(المائدة : 13).

فالرحمة فضيلة والقسوة رذيلة. وتكون الرحمة بين أعضاء الصف من المؤمنين بإرشادهم إلى الخير، والأخذ بهم عن اللمم إلى السبيل الأقوم والعمل لعزهم ودفع المذلة عنهم. قال صلى الله عليه وسلم  :>المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه.من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة<(متفق عليه).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >المسلم أخو المسلم لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله ، كل المسلم على المسلم حرام :عرضه وماله ودمه.التقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم<(رواه الترمذي وقال حديث حسن).

فالدعاة الناجحون هم الذين يتصلون ببعضهم وبالناس ويطلعوا على همومهم وقضاياهم ليسهموا في حلها. وبذلك تكون دعوتهم موصلة بقلوبهم و متجسدة في أرض الواقع، وهذا هو الميدان التطبيقي للدعوة والأخوة. ولهذه المعاني وتلك كان سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم يضرب أمثلة في واقع المجتمع حول هذه المهمة، أعني رحمة الناس بخدمتهم والقيام على مصالحهم، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : >الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وكالقائم الليل والصائم النهار<(رواه الترمذي و أبو داود).

فعلى قدر ما يتراحم أعضاء الصف ويتعاطفون فيما بينهم على قدر ما تطيب خواطرهم وتلين قلوبهم، ويطمئن بعضهم إلى بعض من غير توجس أو قلق. ويسلمون القياد لحب الله ورسوله الذي يجمعهم.

الــتــوحــد

مما لاشــك فيه أن الأصــل في الشريعة هو وحدة العمل الإســـلامـي وليس تعدده، وأن هذه الوحـــدة تعتبر فريضة شرعية. وأن الأصل وحدة المسلمين، ووحدة الأمة لقوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}(الأنبياء : 92)

والأصل الحض على الوحدة والنهي عن الاختلاف لقوله تعالى:”ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البنيات و أولئك لهم عذاب عظيم}(آل عمران : 105). وقوله عز وجل: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا  شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون}(الأنغام : 159)، وقوله صلى الله عليه وسلم : >من فرق فليس منا<(رواه الطبري)

الأصل التزام الجماعة لقوله عليه السلام:”دعانا النبي فبايعناه، فقال:فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكـم من الله فيه برهان” (رواه البخاري)، وقوله : >الجماعة رحمة والفرقة عذاب<(زوائد  المسند). وجاء في هامش “الجامع الصغير” للإمام السيوطي تعليق على هذا الحديث : “يد الله على الجماعة، أي حفظه ووقايته وكلاء ته، أي هم في كنفه، ويد الله قوته”.

وأوصى حكيم أولاده : ائتوني بعصي فجمعها وقال:اكسروها مجموعة فلم يقدروا، ففرقها وقال اكسروها ففعلوا. فقال: لن تغلبوا ما اجتمعتم، فإذا تفرقتم تمكن منكم العدو.

والجماعة المؤمنة بقدر ما تكون حريصة على طاعة الله ورسوله، بقدر ما تكون حريصة على وحدة الصف وتماسك كيانها، ولحمة أفرادها، إذ أن وهن النفوس وانحرافها هو السبب المباشر لوهن  الصفوف وانفراطها..

والجماعة المؤمنة تبقى مستعصية على مؤامرات أعدائها، في مواجهتهم، كائنا ما كانت شراستهم وضراوتهم، مالم يتشقق صفها، وتتفرق كلمتها، ويصبح بأسها بينها، وعند ذلك تكون الطامة الكبرى فقط، التي يحذر منها رب العالمين حين يقول:”ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين}(الأنفال : 46).

والآية الكريمة واضحة في التنبيه على أن الوحدة تحتاج إلى الصبر، وحتى إذا لم يكن هذا من المعنى الصريح للآية الكريمة، فهو من معنى الصبر بمفهومه المطلق الذي منه الصبر على اختلاف الدعاة، لأن الهدف عندهم واحد مهما اختلفت اجتهاداتهم. والصبر يحقق المعية الإلهية التي هي أغلى وأثمن ما يطمح إليه المؤمن {إن الله مع الصابرين}(البقرة : 152).

فالوحدة قوة والتعدد ضعف ، هذه حقيقة إلهية وعقلية وسياسية وأكبر مثال واقعي شاهد على ذلك نراه في دولة الصين الواحدة والعالم الإسلامي المتعدد المنقسم.

ولهذا كما حذر القرآن الكريم من الشرك وخطره، حذر كذلك من التفرقة وخطرها يقول عز وجل: {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا}(آل عمران : 103).

إن انقسام الصف في الجماعة المؤمنة يمثل توجها مضادا لمبدأ الأخوة الإسلامية ، خصوصا إذا كانت تتحكم فيه الأهواء الفردية، والطموحات الشخصية، والأغراض المصلحية، فقد يصل إلى مستوى الأخطاء الكبيرة. وإذا كان الانقسام يعطل الأهداف الكبرى ويدعم صف أعداء الإسلام ويخدم مخططاتهم، فيعتبر حينئذ عملا من أعمال الشيطان، كما أن أصل الأخوة هو الإيمان ومن الإيمان الاعتصام الجماعي بحبل الله، لأن التفرقة تعطل وظيفة الإيمان وهي الاتحاد والاعتصام بحبل الله ، وتؤدي إلى مخالفة أمره.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *