إنما المؤمنون إخوة


ذ. علي العلمي الشنتوفي

إن الإسلام دين فطري ورسالة عالمية ومنهج قويم ينظم شؤون الدنيا والآخرة ويحدد معالم العلاقات الظاهرية والباطنية وفي كل مجال الحياة سواء منها الكونية أوالاجتماعية أوالتشريعية وعلى رأس ذلك علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ذلك الإنسان المنبثق من مصدر واحد رب واحد وأب واحد وأم واحدة ومقياس التقرب إلى الله واحد يقول تعالى : {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات :  13).

ومن منطلق إن أكرمكم عند الله أتقاكم يمكن أن نتطرق إلى علاقة خاصة ألا وهي رابطة الأخوة الإيمانية تلك الرابطة الفريدة التي يتضاءل أمامها أي رابط آخر مهما كان فلا الجنس ولا اللون ولا النسب ولا القومية ولا الوطنية ولا ولا…. يساويه أويدانيه إنها رابطة المؤمن بأخيه المؤمن على أساس قوة العقيدة وحرارة الإيمان وصفاء التصور ونورانية الروح واستقامة السلوك واستنارة الفكر وطهارة الوسائل وسلامة الغاية وسموالهدف.

إنها الأخوة التي تتعالى على الدنايا وترنوبأشواقها إلى معالي الأمور وتجعل أفرادها كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

ولأهمية هذه الأخوة نرى سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام يجعلها من أهم مطالبه في أشرف المقامات فيسأل مولاه قائلا: {واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا}(سورة طه).

نعم إنه يطلب سندا لا ليقوي عصبيته ولا ليعينه على زينة الدنيا ومتاعها الفاني بل يطلب أخوة إيمانية ربانية تعينه على حمل الأمانة وتبليغ الرسالة وتشد أزره من أجل القيام بأمور العبادة وفروض الطاعة يقول تعالى : {كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا} فيستجيب له دعاءه ويحقق له مقصده فيقول له : {سنشد عضدك بأخيك}.

أبنائي إن سيدنا موسى طلب من مولاه أن يمده بأخوة الإيمان أخوة الجهاد أخوة التآزر أخوة التعاون على البر والتقوى التي يحتاج إليها المؤمن في كل زمان ومكان احتياجه للماء والهواء فبها يتنفس في مستنقع البشرية الشاردة عن الله وبها يبني صرح الأمة وبها يتعاون على حمل الأمانة وأداء الرسالة في ثقة وصمود وثبات وعزم أكيد فبها يستطيع الوقوف أمام ظلم الظالمين وجبروت الجبارين وكيد الأعداء المتآمرين وخيانة المنافقين المداهنين.

تلك الأخوة التي تنبني على أركان الإسلام وقواعد الإيمان ونورانية الإحسان بتصور صحيح وواضح وسلوك قويم والتزام سليم وتعاون مثمر وبقلوب متآلفة وسواعد متكاتفة وأعمال متوازنة وتنظيمات متكاملة وأهداف محددة مضبوطة لذا آخا الحبيب المصطفى بين المهاجرين والأنصار حتى بلغت أخوتهم ذروة التوارث والإيثار.

روح الأخــوة

أبنائي إن هذه الأخوة لكي تبلغ مداها في البناء والتشييد لابد لها من عنصر أساسي يعد بمثابة الروح من الجسد كما يعد أيضا صمام الأمان في بناء صرح هذه الأخوة  -إنه الحب في الله- ذلك الحب الذي يتسامى على المصالح الذاتية والمطامع الشخصية والأهواء البشرية والنزوات الشهوانية إنه الحب الذي يكنه كل مؤمن لأخيه المؤمن بقصد بناء ذاك الصف المرصوص الذي يساهم مساهمة فعالة في تكوين المجتمع الرباني في أسمى مراتبه الإنسانية حتى يصبح الفرد المؤمن لا يميز بين ذاته وذات غيره مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: >لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه< ذلك الحب الذي لا يعرف قيمته ولا يتذوق حلاوته إلا من توفرت فيه الشروط المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم  : >ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار< وكل محبة لا تنبني على هذه الأصول فهي محبة زائفة لا يتجاوز مداها الميدان الشهواني النفعي فإن انتهت المنفعة والمصلحة انتهت المحبة المزورة وكم من حب سمعنا عنه العجائب لم يدم إلا أياماً معدودات وانتهى بتشريد أسر وخراب بيوت.

مكانة هذه الأخوة في الدنيا

لكن أبنائي الأخوة التي تقوم على هذه العناصر المذكورة في الحديث الشريف هي أخوة متينة باقية ما دامت السماوات والأرض وعميقة عمق الإيمان في قلوب المؤمنين الصادقين وجالبة لرضى الله تعالى ومحبته يقول صلى الله عليه وسلم : >إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال : ” أين تريد ؟، قال : أريد لي أخا في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تربها عليه ؟، قال : لا، غير أني أحببته في الله، قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه<(رواه مسلم).

ويزيدنا الحبيب المصطفى توضيحا ليكون حرصنا أشد على محبة إخواننا فيقول : >ما تحاب الرجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه<(رواه البخاري) لذا يلزمك أيها المؤمن أن تجتهد في محبة إخوانك وتزداد منهم تقربا وتكون لخدمتهم أحرص وأسرع وإن وفقك الله وأحببت أخا في الله دون أن يعلم بحبك إياه فأسرع إلى إخباره فعن أنس رضي الله عنه قال : ” إن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر به رجل فقال يا رسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أأعلمته ؟ قال لا، قال أعلمه فلحقه فقال إني لأحبك في الله فقال أحبك الله الذي أحببتني له<(رواه أبوداود بسند صحيح).

وكما كان صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بذلك كان هوبدوره يسارع في إخبار من يحبهم في الله فعلى سبيل المثال يأخذ بيد معاذ بن جبل رضي الله عنه ويقول له  >يا معاذ والله إني لأحبك ثم أوصيك يا معاذ  لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك<(رواه أبوداود والنسائي بسند صحيح).

مـكــانتها فـــي الآخــرة

أبنائي هكذا يبين لنا الحبيب المصطفى كيف نبني صرح الأخوة وكيف نكون مجتمع المحبة والتآخي والمودة والرحمة في الدنيا.

أما فضل الله على هذه الثلة الربانية في الآخرة فما علينا إلا أن نفتح قلوبنا وأسماعنا لما تحضى به من بشائر الخير وكمال السعادة الأبدية وفي الوقت الذي يكون الإنسان أحوج ما يكون فيه إلى سماع كلمة ولوبسيطة تبشره بالنجاة من عذاب الله وعقابه وكيف لا والمولى يقول في وصف ذلك اليوم : {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} وفي تلك اللحظة الحرجة يسمع ذاك النداء الحبيب من الرب الرحيم >أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي<.

لكن من هؤلاء الذين يحضون بهذا الفضل العظيم إنهم ولا شك أولئك الذين تتوفر فيهم الشروط التي رسمها المولى في حديث قدسي آخر فيقول سبحانه : >وجبت محبتي للمتحابين في والمتزاورين في والمتجالسين في والمتباذلين في< ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يزيدنا الحبيب المصطفى فيضا من الكرم في قوله صلى الله عليه وسلم :

{إن من عباد الله لأناس ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم ؟ قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(سورة يونس).

وبعد : أبنائي هل بعد هذا الفضل من فضل؟ وهل بعد هذا الكرم من كرم؟ فهيا بنا لبناء تلك الأخوة الربانية على هذا الأساس العظيم في وئام تام وتعاون مثمر مستمر وتواص بالحق وتواص بالصبر وتواص بالمرحمة من أجل رفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله خفاقة في أعالي السماء يراها المؤمن في محبته لإخوانه والعيش معهم في كل مكان وفي كل ظرف وعلى أي حال اقتداء بمن مدحهم الله في قوله : {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}  كما يراها غير المؤمن في عدل الإسلام ورحمة الإسلام ومحبة الإسلام وشمولية الإسلام ووسطية الإسلام وعالمية الإسلام……الخ

أبنائي احذروا من غياب هذا الأصل في أخوتكم واعملوا جاهدين لإعادتها ناصعة كما حققها الرعيل الأول الذي صنع بها تاريخا مجيدا وبنى بها أمة قادت العالم لقرون طويلة بروح الاخوة الإيمانية وعدل الإسلام ورحمة الإسلام  >الناس سواسية كأسنان المشط< >لا فرق بين عربي  وعجمي إلا بالتقوى<  والعمل  الصالح  فكم من أمم  حاربته أولا وبمجرد ما عرفت حقيقته أصبحت تدافع عنه بالغالي والنفيس والتاريخ يشهد على ذلك.

وما حلت بنا أبنائي الكوارث وتكالبت علينا ذئاب الشرق وثعالب الغرب وغربان اليهود إلا بعد ما فرطنا في مكمن عزنا ومصدر قوتنا وأصبحنا كالغنم الشائتة لا حامي يحميها ولا راع يرعاها وحل بين أبناء الأمة محل ذلك الحب الكبير وتلك الأخوة الغالية الشحناء والبغضاء والتمزق والتشردم…..إلخ  حتى أصبحنا لقمة صائغة ولعبة تافهة في يد جند الشيطان من الحاقدين والضالين المضلين من أتباع فرعون وهامان وقارون والمتزلفين لهم والمسبحين بحمدهم والعاكفين على أعتابهم والذين لا يقر لهم قرار ولا يهدأ لهم بال إلا بمحقنا وتدميرنا والرقص على مآسينا في فلسطين وكشمير والفلبين وأفغانستان والعراق والشيشان وفي كل مكان فإلى الله المشتكى وهوحسبنا ونعم الوكيل.

أبنائي إذا كانت الأخوة الإيمانية والمحبة الصادقة تصنع تلك الجسدية الـــربانية التي يقول فيها الحبيب المصطفى :  >مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى< فالحذر كل الحذر من تلك الأخوة المبطنة ظاهرها الرحمة وباطنها الخداع والنفاق والكيد والحقد حيث يعانق الأخ أخاه بحرارة ويربت على كتفيه بقصد إكفائه على وجهه وكلما سنحت له فرصة النهش في عرضه وتشويه سمعته إلا وابتهلها وقال في أخيه ما فيه وما ليس فيه.

وأخطر من هذا كله هي تلك الموضة التي ظهرت بين من ينتسبون إلى الالتزام موضة الاختلاط : اختلاط النساء بالرجال والفتيان بالفتيات والأزواج بالزوجات بحجة التفتح ومسايرة العصر بل تصل الجرأة بالبعض عند زيارة الغير إلى التدخل فيما لا يعنيه ويصبح في المنزل أكثر تصرفا من صاحب المنزل بل تصل به الوقاحة إلى ترك صاحب المنزل مع الزائرين ويتولى هوأمر المطبخ وأمر الأخذ والعطاء.

ألا فليعلم هؤلاء أن الأخوة لها حدود وضوابط وضعها الشرع فلا يليق بالمؤمن أن يتجاوزها ولا أن يتعالم على الله ورسوله فكم من كوارث نتجت عن هذه التصرفات غير المسؤولة وكم من أسر تحطمت وكم من أطفال شردوا وكم من فتن وقعت ولله ذر القائل :

لا تأمنن على النساء ولوأخا

ما في الرجال على النساء أمين

إن الأمين وإن يحفظ جهده

لابد وإن بنظرة يخون

وأخيرا يجب أن يعلم الجميع أن شرع الله كامل شامل له حدود وضوابط لكل شيء واضحة المعالم فيجب أن نأخذه جملة وتفصيلا ونخضع له كل تصرفاتنا ولنحذر من محاولة إخضاعه لنزواتنا وأهوائنا ولنعمل على تنمية تلك الأخوة الإيمانية بضوابطها الشرعية {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أويصيبهم عذاب أليم}(سورة النور).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *