وفرحوا بما عندهم من العلم


فاطمة الفتوحي

قال تعالى : {فلما جاءتهم رسلهم بالبيّنات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين}(غافر : 83- 84).

هذه الآية كثيرا ما استوقفتني… الشرك باب خطير، أخطر من غابة مليئة بالأفاعي والثعابين والعقارب… قد يظن الناس أنهم في منأى منه ومنجاة، وتجدهم غارقين فيه وهم لا يعلمون {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون!!}(يوسف : 106) الفرح بما عندنا من العلم!! لعل هذا الفرح قد بلغ أشده في هذا الزمان… الفرح بما وصل إليه العلم من تيسير للحياة، وسهولة في العيش وسرعة في الاتصال، وغوص في أعماق البحار، وكشف لأباعد الفضاء، وسبر لأغوار الذرة، ومعرفة لأدق ما في الإنسان والكون…

أصبحنا نمجد العلم ونقدسه، ونعظمه ونبجله، ونعجب أشد العجب بما أنعم به علينا من خيرات وبركات!! وبما أفاض علينا من رحمات! لعمري إن هذا لهو الضلال والجهل والعمى… بل هو الشرك بعينه كما عبرت عن ذلك الآية الكريمة وهي تصف الأمم السابقة : {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} ولم يهتموا ولم يأبهوا إلى ما جاءت به رسلهم من البينات الواضحات بل ظلوا غارقين في سكرتهم وعجبهم وانبهارهم، ثم لما جاء البأس من الله والعذاب والنكال.. آنئذ قالوا : {آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} آمنا بالله وحده : بعظمته وجبروته وقوته وكفرنا بما أشركنا مع الله :  عظمة العلم وجبروت العلم ورحمة العلم، وقداسة العلم.. إن فينا من يقدس العلم ويحسبه الحقيقة المطلقة التي لا يشق لها غُبَار ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!!

إننا نجعل مع الله عظيما ولا عظيم إلا الله!

إننا نجعل مع الله قديراً ولا قدير إلا الله!

إننا نجعل مع الله رحيما ولا رحيم إلا الله!!

إن الله سبحانه وتعالى هو الذي مكن وسخر وقدر {ولقد مكناهم فيما إن مكانكم فيه..}(الأحقاف : 26) {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم في الأرض ما لم نمكن لكم…}(الأنعام : 6).

فنظرتنا إلى العلم لا ينبغي أن تتعدى إلى أكثر من كونه تمكينا من الله وتسخيراً {وما بكم من نعمة فمن الله} وهذا الانبهار بما وصل إليه العلم المادي، ينبغي أن يسعف على التأمل في مخلوقات الله العظيمة في الكون والإنسان.

سمعت يوما أحد السذج يحادث أحداً فيقول : ((يا لعظمة العلم، يأتيك الهاتف النقال بخبر فلان وهو مسافر وأين هو في دقيقة واحدة…)) وأنا أكتم حسراتي وزفراتي في قلبي وأقول في نفسي : رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به في أقل  من ليلة إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماوات العلى. وكلم الأنبياء، ورأى الجنة والنار، ورأى الذين يُعَذَّبون… والنبي سليمان  عليه السلام يُحمل له عرش بلقيس في طرفة عين.

يعتصر قلبي ألما حين أرى الناس في واد وأنا في واد آخر… حين أرى الناس في غمرة وسكرة، لا أدري متى يفيقون منها، مهمتنا أن نعمل جاهدين لنربط القلوب بالله… حتى لا يرواْ إلا باسم الله، ولا يسمعوا إلا باسم الله، ولا يفكروا إلا باسم الله.

{قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين}(يوسف : 108).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *