وفاءا لشعب الجبارين


قبل ولوج العالم الألفية الثالثة أي في سنوات الثمانينات والتسعينات، كان تعاطي الدول الغربية مع القضية الفلسطينية ومع الكيان الإسرائيلي موسوما بالتذبذب والضبابية وهلامية المواقف السياسية تجاه الكيانين المغتصب والغاصب.

فباستثناء أمريكا، ظلت الدول الغربية تراوح في مكانها بين سياسة الجزرة والعين الحمراء، كما يقول إخواننا المصريون، خاصة تجاه الشعب الفلسطيني وقيادات المقاومة، (أيام كانت المقاومة شرفا لا يحظى بنياشينه إلا الأشاوس من ذوي الهمة الذين قضى جلهم اغتيالا على أيدي عصابات الصهيونية)..

كان منسوب القيم والمبادئ  والنفحة الثورية التي ترفع ما تبقى من راياتها   اليسارية منها على وجه الخصوص،  تحفظ للعالم بعض  ماء حياء،  حياء كان يعد العدة للأفول، والصحوة الإسلامية تأذن بانبلاج فجر جديد.

وبالتالي فإن السياسة الدولية انطبعت بهذه الروح المتوسدة بعضا من مبادئ وأخلاق هشة في مواجهة الإمبريالية الشرسة المادية النفعية، فكان الزعماء الغربيون يرمون إسرائيل بالورد مع بعض من شوك العتاب، لأنها تحرجهم بتنكرها لكل المواثيق والقوانين التي يحبرونها (بحبر أشبه بالماء) في أروقة الأمم المتحدة، (والخاصة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، والعيش بسلام وأمان)، وتسارع إسرائيل بانتهاكها بكل وقاحة وازدراء ووضوح من خلال عدوانها الهمجي الممنهج ضد الشعب الفلسطيني..

وكر الزمن وهاهي السياسة الغربية الرسمية تخلع كل الأقنعة عن كل الأقنعة، ولا حياء ولا هم يحزنون. وهاهو الرئيس الفرنسي يسارع لتشريف الإسرائيليين بمناسبة وبغير مناسبة، ويفرض وجودهم حتى على الساحة الثقافية!! وفي معرض دولي ضخم للكتاب، ويرضخ عقل فرنسا يا حسرة للبهلوانيات الدنيئة للسياسة، وتدخل الثقافة الفرنسية إلى بيت الطاعة الإسرائيلي !! في عز الإجتياحات الصهيونية لغزة.  وتهرول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الأعتاب نفسها مقدمة كبرياء كل الشعب الألماني على طبق من ذهب إلى الإدارة الإسرائيلية، وهي تسفح أمام الكنيست دلاء الاعتذار تلو الاعتذار!! عن محرقة ارتكبها الموتى ولا يزال يجرجر بها الأحياء من الألمان إلى التنازل بعد التنازل، وكنظيرها الفرنسي،أقسمت ميركل باليمين المغلظة، أن لا تضع يدها الشريفة في اليد المدنسة لمن من العرب لا يعترفون للسيدة المقدسة بالحق في إبادة  شعب بأكمله..

وعن أمريكا ومرشحيها للرئاسة فحدث ولا حرج، فالهرولة بين ديمقراطيين وجمهوريين على أشدها لنيل رضا السيدة باعتبار رضاها الفيزا الأكيدة لنيل كرسي رئاسة العالم لا أمريكا فحسب!!..

وتجدر الإشارة  إلى أن تحركات هؤلاء الساسة الغربيين ـ غير المستغربةـ في هذا الوقت بالذات،  تندرج في سياق الاحتفال العملاق بالذكرى الستين لقيام دولة الغصب : الإمبراطورية الجماهيرية الديمقراطية العظمى : إسرائيل!! هذه الذكرى التي ستحل رسميا في الثامن من شهر مايو 2008.

وفي السياق فقد ذكرت جريدة جيروزالم بوست الإسرائيلية أنه طيلة سنة 2008 ستنظم اللجنة الوطنية الشرفية المكلفة بالسهر على سير أنشطة هذا الاحتفال، مجموعة من الأشغال  والدراسات والمؤتمرات والمهرجانات الدولية الاحتفالية باستقلال إسرائيل. وستكون أوربا وأمريكا محضن هذه الأنشطة العالمية العملاقة التحسيسية  (لمن لازال بحاجة لإحساس!!) بحجم المحرقة النازية ضد شعب إسرائيل، وحجم قوة  واصطبار هذا الشعب، الأسطوري التلاحم والهمة،لتجاوز محنة التشريد والاضطهاد.واللجنة الوطنية الشرفية، بالمناسبة، قارئي اللبيب، يترأسها كل من بوش الأب وبيل كلينتون، الرئيسين الأمريكيين السابقين..

فماذا أضيف قارئي؟  صدقا وبكل المرارة التي تعتمل بداخلي..أكاد  أٌقول لهذا الشعب الحاذق برافوا برافو برافو كما كانت تقول جدتي.. وأنا أول المهنئين [ من فرط غصتيرضي الله عنه، لشعب تلتحم قيادته وشعبه في الإخلاص لقضية الوجود بشكل مذهل لا يصدق..

لقد أثمر جهد وعرق وعلم وتضحية وتضامن هذا الشعب المعجون بكل كيد ومكر وبطش زعمائه،  حصوله على استرقاق كل العالم بكباره وصغاره. ويبدو العالم الآن في الكثير من رموزه من مختلف أطيافهم مجرد عبيد (مشرطين لحناك) كما نقول نحن المغاربة أمام الأعتاب الإسرائيلية، وهم يتسارعون للاحتفال الضخم بهذه الذكرى.وللإنصاف فمن جد وجد ومن زرع حصد كما كنا نقول في مواضيعنا الإنشائية أيام الصغر!!!!..

فماذا زرعنا نحن وماذا سنجني من هذا الليل الطويل الذي نزرع دياجيه بالفرقة والتباغض والهرولة لفتات الكبار طمعا في طحن بعضنا البعض كما يقع الآن في العراق وفي فلسطين ضد مشروع المقاومة الماجدة وفي السودان وفي المغرب العربي حيث يجير غاز الشقيقة الجزائر وأموالها في شراء الذمم المعادية لحق الشعب المغربي في السيادة المطلقة على أراضيه؟؟..

ومع ذلك وكما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  (وكما أذكر ذلك دوما في مقالاتي المتواضعة)، فالخير في أمة الحبيب، حتى تقوم الساعة، وأمام خير أمة أخرجت للناس أن تعيد السيادة لدين الحق كما كانت في الزمن الزاهر وأمام كل شرفاء العالم من المسلمين مدة شهر وزيادة، لقلب السحر على الساحر بإطلاق مبادرة التعريف بالنكبة الفلسطينية في ذكراها ما قبل الستين!!!، مبادرة عالمية  تشمل كل الأبعاد الثقافية والسياسية والإعلامية والاقتصادية  الخ، ويكون عنوانها الكبير، (وفاءا لشعب الجبارين)  وتنشر فيها صور عملاقة للنساء وللأطفال الفلسطينيين الذين قضوا في كل المحرقات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، وعلى رأسهم أطفال غزة، ورضعها، ولتعلق في العواصم الغربية العالمية يوم 8 مايو 2008 صور الأجنة والرضع المغمورين بالدماء، ليعرف العالم أن محرقة نازية ضد شعب أعزل هو الشعب اليهودي، يرفضها الدين الإسلامي جملة وتفصيلا،لأنه لا يعذب بالنار إلا الواحد القهار، لا تبرر بأي شكل أن يحرق ويباد شعب بكامله هو الشعب الماجد شعب فلسطين السليبة، فدية رخيصة  زهيدة.

إن المجتمع الغربي يحفل بكثير من المنصفين والمدافعين عن القضية الفلسطينية وفيه يهود ومسيحيون نبلاء كالرائعة راشيل كوري..لنضم صوتنا الضعيف إلى أصواتهم النافذة داخل مجتمعاتهم..ولنشتغل بهمة ليكون عرسهم يوم انكشاف حقيقة دموية منظريهم الصهاينة، الذين يعملون في خفاء مكشوف، لجعل العالم مملكة من العبيد المجندين للسخرة داخل إمبراطورية بني صهيون..

أحلم أن يصبح حلمي حقيقة مع مطلع شهر مايو، من أجل عالم آمن مسالم جدير بالعيش عالم مختلف متعدد، تحت سماء الله الواسعة، عالم لا يسحق فيه الكبار حقوق الصغار،  باسم أية محرقة، لأجل هذا الحلم عاشت راشيل كوري الأمريكية الجميلة وهجرت وطنها وقدمت جسدها فداء للحقيقة..للشعب الفلسطيني..

فهل يخذل شعب المليار ونيف  من المسلمين راشيل كوري؟؟

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *