هل لدينا مشكلة مع إفشاء السلام؟


صلاح الدين دكداك

تقديم :

الحمد لله الذي جعل في إفشاء السلام خيرا وبركة لكل الأنام، وصلى الله على خير الأنام وعلى آله وأصحابه الكرام أفضل الصلاة وأزكى السلام .

أما بعد أود أن أحكي لرواد جريدة المحجة الكرام قصتي مع إفشاء السلام، قمت ذات يوم في الصباح الباكر فذهبت لشراء بعض اللوازم الضرورية من أحد المحلات التجارية المجاورة فوجدت بعض الجيران والأصدقاء فقلت لهم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فلم يرد  علي أحد، ذهبت عند الجزار فقلت السلام عليكم فلم يجبني أحد، ذهبت عند الخضار فسَلَّمْتُ فلم يجبني أيضا أحد، وفي أحسن الأحوال عندما أصادف شخصا يريد أن يتواضع وينزل من برجه العاجي  ليرده علي أحس بأنه يشاور نفسه هل يرد السلام أم لا؟ وحتى إن رده فقد تكون طريقة رده وقحة إلى حد ما إما بهز رأسه أو بإظهار علامات التضايق من رده، وكأنه سيصعد الجبال أو سيقوم بأمر عسير للغاية،بل يخيل إلي في بعض الأحيان وكأن المرء غير مستعد لإفشاء السلام مجانا، بل لابد من أن نعوضه بمبلغ مالي لا بأس به وذلك كمقابل للطاقة الخارقة التي بذلها في إخراجه من حلقه ومن بين أسنانه.

وبالمقابل هناك صنف آخر فريد من نوعه من البشر يفاجئك بكثرة سلامه ومجاملاته بشكل مبالغ فيه، حتى إذا نال مصلحته وأغراضه منك امتنع عن السلام عليك وصار يتحاشى الالتقاء بك حتى إذا أحس من جديد بأنه في حاجة إليك لقضاء بعض مصالحه الملحة فإنه يرجع لإكرامك بسلامه، وهكذا فالعلاقة بينك وبينه تتأرجح بين مد وجزر حسب مصالحه الشخصية وحسب أنانيته الفردية،  فإن رأى بأنه سيستفيد من سلامه عليك قضاء بعض حوائجه الملحة فإنه سيفعل ذلك حالا، أما إذا كان سلامه عليك لن يجني من وراءه ربحا في الوقت الراهن فسيحرمك منه إلى أن تظهر في الأفق مصلحة أو حاجة طارئة له، وبصيغة أخرى فأينما كانت مصلحته فإنه يرى وقتها بأن هناك موجبا معقولا لإفشاء السلام -حسب وجهة نظره الأنانية والنفعية طبعا- ويبقى هذا الصنف من الآدميين رمزا للانتهازية والأنانية المفرطة.

هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك صنف آخر من البشر- سامحهم الله- لا يفشون السلام إلا أيام العيد وبعد مروره يكشرون في وجهك، وعليك أن تنتظر عاما كاملا أي إلى حلول العيد المقبل لكي يعطفوا عليك بسلامهم، وحتى لا أكون مبالغا هناك  العديد من الناس الأفاضل  والشرفاء يفشون السلام بينهم بدون عقد نفسية  أو أي مركب نقص، ولكن على ما يبدو- وحسب ما ألاحظه شخصيا- بأن نسبتهم أصبحت تقل يوما بعد يوم، مما يدفعنا للتساؤل والاستغراب :هل قل الخير بيننا لدرجة صرنا نحرم بعضنا من أبسط الأمور التي أوجبها علينا شرعنا الحنيف  ألا وهي إفشاء السلام؟

في الحقيقة ونظرا للأهمية القصوى التي يلعبها إفشاء السلام في حياة الإنسان المسلم، فقد آثرت بيان قيمته في المجتمع وتذكير كل غافل عن إفشائه، وذلك من خلال الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة، وفي هذا الصدد فالسلام لغة(2) يأتي بمعنى اسم من أسماء الله تعالى، وقد يراد به التسليم وهو التحية عند المسلمين، وقد يعبر عنه بالأمان تارة وبالصلح تارة أخرى، وجميع هاته المعاني معتمدة عند فقهاء الشرع الإسلامي(3) أيضا، لكن الذي يهمنا في هذا المضمار هو السلام بمعنى التسليم والتحية وهي قول المسلِّم للمسَلَّمِ عليه : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وكأنك تقول للشخص المسَلَّمِ  عليه : اسم الله عليك وأنت مع الله وفي صحبته ورعايته(4)، إلا أن ما ينبغي الإشارة إليه  في هذا الإطار هو أن الأمر بإفشاء السلام وارد في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، وفي هذا الصدد قال جل شأنه في كتابه العزيز : {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا}(5)، كما أن الدعوة إلى إفشاء السلام أكدها النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، لأن في إفشائه خير وبركة ومنافع للمجتمع في الدنيا والآخرة، ومن بين مزاياه أنه يساعد على نشر المحبة بين الناس لقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم))(6) هذا من جهة ومن جهة ثانية فإفشاء السلام يؤدي إلى علو الدرجات عند الله تعالى،”  كما أن الذي يبدأ الناس بالسلام هو أقرب وأحب إلى الله كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ((إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام))(7)، هذا فضلا عن أن السلام هو تحية أهل الجنة حيث قال جل من قائل في كتابه العزيز : {تحيتهم يوم يلقونه سلام}(8)، كما أن إفشاء السلام منبع من منابع البركة في النفس والأهل والبيت مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ((يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم، يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك))(9).

وفي الختام أتمنى أن لا نغفل عن إفشاء السلام لأن كله خير وبركة، وبه ييسر الله لعباده الطريق إلى الجنة، فلنبادر إذن إلى إفشائه ولا ندع أحدا يسبقنا إليه، لنفوز بالأجر العميم في الدنيا والآخرة، وقبل أن أودعكم أقول لجميع المشتركين والساهرين على جريدة المحجة المباركة السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأتمنى أن يردوا علي السلام في أقرب وقت ممكن من خلال بريدي الإلكتروني المكتوب أعلاه.

————

1 – باحث جامعي في الفقه والقانون بصف الدكتوراه بكلية الشريعة بفاس.

2 – مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط،المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ‘إستانبول، تركيا ج1/446.

3 – سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي- لغة واصطلاحا – دار الفكر دمشق، سوريا، الطبعة  الثانية 1408هـ -1988م، ص: 182.

4 – الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر دمشق، الطبعة الرابعة، 1422هـ -2002م، ج4/2684.

5 –  سورة النساء، الآية : 86.

6 – صحيح مسلم / كتاب الإيمان / باب بيان انه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون / حديث رقم 54.

7 – سنن أبي داود / كتاب الأدب / باب في فضل من بدأ بالسلام / حديث رقم 5197.

8 – سورة الأحزاب، جزء من  الآية : 44.

9 – سنن الترمذي / كتاب الاستئذان عن رسول الله / باب ما جاء في التسليم إذا دخل بيته / حديث رقم 2698.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *