في الحاجة إلى علم أصول التفسير


ذ. محمد البويسفي
الله تعالى أنزل أحسن كتاب على خير أمة أخرجت للناس، فكانت بحق في مستوى المكانة التي بوأها الله تعالى إياها. بعنايتها بكتاب ربها، وحرصها على فهمه وتدبر معانيه واستنباط الأحكام والحكم منه، ثم تطبيق أوامره والابتعاد عن نواهيه،وبذلها غاية جهدها في فهمه واستيعابه.

وكتاب الله تعالى – كما قرره الأصوليون- قطعي الثبوت ظني الدلالة، وظنية الدلالة هذه مأتاها طبيعة القرآن المعجز، ذلك أن منه الواضح أوالبين- كما قال الطوفي في الإكسير- الذي تفهمه العرب من لغتها لبيانه ووضوحه. فهذا لا حاجة له إلى تفسير.

ومن القرآن ما هوغير واضح إما لاشتراك أوغرابة أوظهور تشبيه. وهذا القسم هوالمحتاج إلى التفسير والبيان.

الأول أنزله الله تعالى ليتعبد عامة الناس بتطبيقه لوضوحه وبيانه، والثاني أنزله الله لحكم متعددة منها ليتعبد العلماء بالاجتهاد فيه والاستنباط منه، لذلك أثنى الله على العلماء من عباده، وليتعبد عامة الناس بتقليد العلماء فيما قرروه فيه(1).

وقد بذل العلماء غاية جهدهم في فهم كتاب الله تعالى،وتوجيه الفهم وحمايته من التحريف.

وأخطر تحريف هوتحريف الفهم والتلاعب به. أما تحريف النص القرآني، فهذا مستحيل لتكفل الله تعالى بحفظ كتابه. قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر : 9).

والذي يدفع إلى تحريف الفهم والتأويل الفاسد هوموقع النص القرآني في أمة الإسلام بكل طوائفها ومذاهبها، إذ النص هومحور الفكر الإسلامي منذ النشأة إلى اليوم، وكل ما أنتجه الفكر الإسلامي لا يعدوأن يكون إما موثقا للنص أومساعدا على فهمه أومستنبطا منه.

وقد دأبت الحركات الإصلاحية والتيارات الفكرية على استمداد مشروعيتها من النص، فلا تقبل فكرة أودعوى ما لم يشهد لها النص بالصلاحية. ولذلك نرى الكل يلوذ بالنص ويلجأ إليه لاستمداد المشروعية.

وهذا ما أعطانا أفهاما  متعددة للقرآن الكريم قد تصل إلى حد التناقض. حتى قال قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن : ((كل ما جاء به القرآن حق، ويدل على الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب، والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب، ومن قال بهذا فهومصيب، ومن قال بهذا فهومصيب لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين واحتملت معنيين متضادين))(2).

والذي جعل مثل هذه الأفهام تكثر وتتعدد إلى حد  الفوضى وضياع الحقيقة الشرعية  بين أهل الأهواء والضلالات هوعدم وجود أصول وقواعد للتفسير  تضبط الفهم عن الله تعالى، وهذا ما جعل إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل  يقول ثلاثة لا أصل لها منها التفسير، وإن كان يقصد من حيث السند. وقال ابن تيمية : ((إن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين والباطل الواضح والحق المبين))(3).

فمثلا الحديث له أصول  تضبط نقله، وأن كل المحاولات التي أرادت العبث بالسنة باءت بالفشل.

وكذلك الفقه له أصوله التي تضبط عملية الاستنباط والتشريع.

لكن التفسير بقي بلا أصول ولا قواعد تضبط وتحكم العملية التفسيرية، حتى إن البعض نزع عنه صفة العلمية، وقال إنه لم يرتق بعد إلى مستوى العلم، بمعنى أنه يفتقر إلى الجانب التنظيري التأطيري، فبقي مجال فوضى.

وقد وقف الإمام الطوفي على إشكال علم التفسير فقال : ((إنه لم يزل يتلجلج في صدري إشكال علم التفسير وما أطبق عليه أصحاب التفاسير، ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه في ما نحاه، فتقاضتني النفس الطالبة للتحقيق الناكبة عن جمر الطريق لوضع قانون يعول عليه ويصار في هذا الفن إليه))(4) إلا أنه لم  يفعل وليته فعل!

وفي عصرنا الحالي  وفي محاولة بناء أصول وقواعد علم التفسير أشار الدارسون المعاصرون إلى أن مباحث هذا العلم مبثوثة في علوم شرعية متنوعة منها علم أصول الفقه والتفسير واللغة العربية.

فعلم أصول الفقه مؤهل لضبط العملية التفسيرية، على اعتبار أنه علم محكم البناء  من حيث مصطلحاته وقواعده ومناهجه، وأن الأساس الذي بني عليه من حيث التدوين والتصنيف، إنما  هوحل لمشكلة الفهم اللغوي الخاص، للدليل الشرعي. سواء من حيث مقاصده الدلالية، أومتعارضاته الإشكالية(5).

كما أنه امتاز بضبط قواعد الدلالة: حاصرا طرقها: منطوقا ومفهوما، ومرتبا مراتبها: نصا وظهورا وإجمالا، ومفصلا  فيما يتصل بالأحكام من وجوهها: الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ومحددا شروط التأويل وقواعد الترجيح(6).

وقد أكد السكاكي في مفتاح العلوم على أن علم أصول الفقه والبلاغة مؤهلين لضبط العملية التفسيرية، حيث قال:” ولله در التنزيل، لا يتأمل العالم آية إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر… لأن المقصود لم يكن مجرد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان، وأن لا علم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ منهما على المرء لمراد الله من كلامه(7).

أما اللغة العربية فلأن النص القرآني هونص لغوي، وأن الله عز وجل خاطب العرب بلسانهم وعلى معهودهم في التخاطب والكلام. وأن علماء العربية وهم يقعدون قواعد النحووالإعراب كان في حسبانهم تحدي فهم الخطاب الشرعي خاصة مع ظهور اللحن الصوتي والصرفي وأيضا المفهومي في ظل اتساع الرقعة الإسلامية ودخول أمم أعجمية في الإسلام.  وقل نفس الأمر في نشوء علم البلاغة إذ كان تحدي الإعجاز القرآني حاضرا في أذهانهم. فتحدي الفهم والبيان عن معاني وأسرار القرآن الكريم كان حاضرا منذ زمن التأسيس والتقعيد اللغوي.

وإن النص  -أي نص- هوبناء لغوي قائم على قواعد اللغة ونظامها، مما يعطي  للتحليل اللغوي أهميته في الكشف عن المعنى….لهذا فقد عد العلماء علوم اللغة أول العلوم التي يحتاج إليها مفسر القرآن.. بل جزم الكافيجي بأن قواعد التفسير “مكتسبة من تتبع لغة العرب”(8)

والمقصود باللغة جميع مستويات الدرس اللغوي العربي: “كالأصوات، والصرف، والنحو”…إذ إنها مجتمعة تكون أداة التحليل اللغوية الكبرى، ذلك أن هذه المستويات ترى منفصلة من حيث الصناعة، لأغراض منهجية فقط في حين أنها تكون في مجملها الوسيلة الناجحة الكبرى لتحليل النصوص..”(9).

أما ما في كتب التفاسير، فالمقصود بها القواعد التي يضعها المفسر وهويمارس عملية التفسير في محاولة للتأصيل لمفهوم يريد تأصيله، أوفي نقده لتفسير اختل فيه ضابط من الضوابط، أوفي مجالات أخرى(10).

ويمكن أن نقول إن هذه العلوم تحتوي على مباحث وقواعد لعلم أصول التفسير، لكن تحتاج إلى بناء نظري ناظم يحدد وينظم العلاقة بين مكوناته، متى وكيف نعمل هذه القاعدة أوهذا الأصل وما هي مستويات ذلك؟ وهل كل القواعد على مستوى واحد في الكفاية التفسيرية؟…أي فلسفة علم التفسير، ليرتقي إلى مستوى العلوم الناضجة من حيث المصطلحات والقواعد والمناهج.

وإيجاد علم أصول التفسير يكفينا هم العبث بالنصوص الشرعية ولي أعناقها، كما يضبط لنا عملية الفهم عن الله تعالى واستنباط الأحكام الشرعية من مظانها، بل يكون قانونا محكما فيما يسمى بمقاصد الشريعة، ذلك أن القصد يفهم من اللفظ  ومن النص الشرعي، فيجيبنا علم أصول التفسير عن السؤال العلمي: كيف دلك هذا اللفظ أوهذا النص على هذا المعنى أوهذا الحكم؟  وقس على ذلك من القضايا والمستجدات الطارئة على الفكر الإسلامي اليوم، كمسألة السنن التاريخية  والاجتماعية في القرآن الكريم، وقضايا التشريع الجنائي، والنوازل الفقهية في الطب وغيره.

————

1- الإكسير في علم التفسير للطوفي ص33 وما بعدها

2- تأويل مختلف الحديث لإبن قتيبة ص 55

3- مقدمة في أصول التفسير ص33

4- الإكسير في علم التفسير للطوفي ص 27

5- المصطلح الأصولي د. فريد الأنصاري ص124/425 بتصرف

6- التفسير اللغوي للقرآن الكريم، الشيخ الحافظ، ص 96

7- مفتاح العلوم للسكاكي ص 421

8- نفس المرجع ص 7/8 بتصرف

9- تحليل النصوص: المفهوم والضوابط. د حسين كنوان  مجلة التسامح ع 11 السنة الثالثة  ص134

10- نفس المرجع الساق ص 19.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *