ظاهرة سب الرب والدين


ذ. محمد بن شنوف

قال الله تعالى خطابا للمؤمنين : {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}(الانعام : 108) أي لا تسبوا آلهة المشركين لئلا يسبوا الله عدوانا وظلما، وجهلا منهم بالله، وبما يجب له من التقديس والتعظيم، ونستفيد من هذه الآية أن سب الله جريمة كبرى، ومنكر فظيع تكاد السماوات يتفطرن منه وتخر الجبال هدا، ونحن في المجتمع المغربي المسلم لايكاد المار من أي مكان عام دون أن يسمع من بعض الناس  ما يخدش شعوره الديني، وعاطفته الروحية، ومن أسوإ ما يتردد وينبعث من ألسنة الكثيرين، التفنن في سب الدين والرب، حتى أصبحت هذه الظاهرة أمرا عاديا، وسلوكا مألوفا، لايلفت انتباها، ولا يحرك ساكنا وتكاد في بعض الأحيان وأنت تسمع هذا السب هنا وهناك تظن أنك في بلد لا يلقي بالا لمقدساته الدينية ولا يهمه أن تهان.

فلماذا استفحلت بيننا ظاهرة سب الدين والرب؟، وخصوصا بين شبابنا؟ وما رأي الشرع الإسلامي في من يتجرأ على سب الرب والرسول والدين والملة؟ أين تنتهي مسؤولية الآباء وأين تبدأ مسؤولية المدرسة؟ وما حجم مسؤولية الدولة والمواطن؟ هل من حلول لهذه الظاهرة؟

أسئلة يطرحها على نفسه كل غيور على دينه وعلى مقدساته عند مايسمع سب الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم والدين والملة جهارا علنا ولا يدري ما ذا يفعل. فماهي أسباب سب الرب والدين والملة؟

لو سألت أحد الآباء إن كان من قبل سمع أحد أبنائه يسب الدين أو الرب وماذا يكون رد فعله في هذه الحالة؟ لربما أجابك: ”لم يسبق لي أن سمعت أحدهم يصدر عنه مثل هذا، بل إني أنهاهم عن أسلوب السب والقذف بصفة عامة، وأنصحهم بالتعامل بالتي هي أحسن”، لكن لو أعدت عليه السؤال: ”وماذا لو سمعتها من أحدهم؟”، لربما قال : ”لن أسمح لهم بذلك، وسوف أكون حازما في الأمر، لكني لا أتصور أن يحدث هذا مع التربية الحسنة داخل البيت”. ولو سألنا بعض الأمهات من أين يتعلم الأبناء سب الدين؟ فقد تجيبك إحداهن : أن الشارع والمدرسة يهدمان كل ما نبنيه في البيت فهل تظنون أنه مازال بإمكان الآباء التحكم في سلوك أبنائهم، وهم الذين يقضون أكثر وقتهم في المدرسة أوفي الشارع، إننا قد نسمع أبناءنا يسبون الدين في البيت بينهم، ونتدخل مرارا بالنصح ومرات أخرى بالعقاب والضرب، ولكن لم نر لحد الآن فائدة، إن المدرسة هي التي يجب أن تلعب هذا الدور”. واضح أن مثل هذه الإجابات تلقي اللوم والعتاب والمسؤولية على الشـــارع والمدرسة ولا تحمل الآباء  من هذا الأمر شيئا. والواقع أن كثيرا ما يكون سب الرب والدين عند الخصومات والمنازعات وفي حالة الغضب وقد تســـأل الغضبان لماذا بلغ بك الحد إلى سب الدين والرب؟ فقد يجيبك في حالة من الغضب أيضا -إن تأدب معك- “لستم وحدكم من تعرفون الدين، كلنا مسلمون ونحب الله والنبي صلى الله عليه وسلم” لو زال عنه الغضب وعاد إلى حالته العادية وسألته بلطف ونصح حتى لايعود فربما قال لك  “عندما سببت الدين والرب لم أكن أقصد إهانة المقدسات الدينية، ولكن هي فقط طريقة للتعبير عن الغضب الشديد، للدفاع عن النفس، وأن أسب خصمي خير من أن أضربه فأقتله فأدخل إلى السجن طول حياتي” والواقع أن أغلب من يسبون الدين إذا تحدثت  إليهم يؤكدون أنهم لا يقصدون إهانة الدين، ولكنهم يجدونها فقط وسيلة تعبر عن أقصى ما يريدون التعبير عنه من الغضب، وقد يقول أحدهم مثلا: (أنا لست كافرا، أو لا أظن أن الله تعالى سيحاسبني على هذا السب في لحظة غضب، ثم إني لا أسب الدين أو الله لأجل سبهما ولكن أسب في الحقيقة ذلك الذي أوجه له الكلام، أما الله فهو فوقنا جميعا وأكبر منا ولا يعقل أن أسبه).

هذه بعض عللهم وبعد أجوبتهم.لكن لو سألنا العلماء ماذا يقول الشرع في مثل هذا التأويل؟ يقول اسحاق  ابن راهويه: قد أجمع المسلمون أن من سب الله تبارك وتعالى أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أنه كافر بذلك، وإن كان مقراً بما أنزل الله. قال تعالى : {إنَّ الذين يُؤذون الله ورسوله لعلنهم الله في الدُّنيا والآخرة وأعدَّ لهم عذاباً مٌّهيناً. والَّذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} يقول: فرَّق الله عزّ وجلّ في الآية بين أذى الله ورسوله، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل على هذا (إذاية المؤمن والمؤمنة) أنه قد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، وجعل على ذلك (أي على الذي يؤذي الله والرسول) اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين. و قال القاضي عياض: لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم. والعلماء يجيبون بمثل هذه الاية فيقولون : قد حكى الله تبارك وتعالى عن قوم استهزؤوا بدين الإسلام، حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: إنّما كنا نخوض ونلعب، فبين الله عزّ وجلّ أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به فقال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولنَّ إنّما كنا نخوض ونلعب قُل أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزءون!!؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}(التوبة :65) فتأملوا أيها الإخوة المؤمنون هذا الأثر العظيم، وانظروا إلى عواقب الهزل بآيات الله وذكره ورسوله. أما إذا كان الهزل بشيء يصل إلى جناب الربوبية والذات الإلهية، فيا ويل فاعله من الله! ويا مصيبته وحسرته يوم يلقاه! ومن ذا يتطاول على من لا يليق له إلا الثناء عليه بما هو أهله، وتسبيحه وتنزيهه عما لا يليق به؟! ومن ذا يتجرأ على مولاه الذي من العدم أنشأه، وإلى الإسلام هداه، ومن كل خير سخر له وأطعمه وسقاه، ومن كل سوء ومكروه سلمه وعافاه؟! من ذا الذي يتجرأ على رب غفور رحيم كريم؟! فما أحلم الله على عباده! ما أحلم الله على خلقه! سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك! سبحانك ربنا ما شكرناك حق شكرك! سبحانك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك! سبحانك ربنا لا نعد نعمك، ولا نحصيها! فسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله، رب، العالمين..

إن الذي ينبغي أن نؤكد عليه في علاج هذه الظاهرة هو دور المدرسة في تكاملها مع دور الآباء، ”فعلى المدرسين والأطر الإدارية في المؤسسات التعليمية فعلا أن يبذلوا مجهودات في هذا المجال، والقيام بحملات تحسيسية بخطورة هذه الظاهرة، ونؤكد أن مثل هذا الواقع يحتاج منا تقوية مظاهر التربية الإسلامية الصحيحة في مدارسنا، وعندما أقول مظاهر التربية الإسلامية، فلا أعني فقط مادة التربية الإسلامية، وأساتذتها، ولكن أعني بذلك التوجيه والترشيد لتلاميذنا وشبابنا وفق ما تنص عليه الشريعة الإسلامية، وتحسيسهم بخطورة ظاهرة السب بصفة عامة، وسب الدين بصفة خاصة، من طرف جميع المدرسين والمدرسات والإداريين، والحراس العامين للداخليات أو الخارجيين فليست المسألة تعني أساتذة التربية الإسلامية وحدهم لأن هذا المنكر هو من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا ينبغي السكوت عنه، ومن المفيد جدا أن نعي في هذه المسألة أن الزجر والعقاب ليس هو الأصل، بل التربية والتوجيه والنصح، وغرس القيم الإسلامية في نفوس الشباب، وتعليمهم حب الله والاستحياء من سبه أو إهانة الدين.” إن هذه الظاهرة المنكرة أصبحت دارجة على ألسن كثير من الناس صغاراً وكبارا ذكوراً وإناثاً، ومن أجل استئصالها لا بد من تضافر جهود الأئمة والخطباء والوعاظ والآباء والأمهات والمربين والمدرسين  حيث إنه لا بد أن نغرس معاني الإيمان في نفوس أبنائنا وبناتنا ونعلمهم أن سبّ الدين وشتم الذات الإلهية من نواقض الإيمان.

والخلاصة التي نؤكد عليها هي أن المسؤولية في ما يقع من سب للدين والذات الإلهية والرسول والملة هي مسؤولية مشتركة، فالمواطن عليه مسؤولية الاستنكار والنصح، والمسؤولون في الدولة يقع عليهم الحزم في المتابعة والعقاب، والمنتخبون مطالبون بسن تشريعات أكثر قوة ووضوحا في هذا المجال، والمربون والآباء عليهم ثقل غرس حب الله والدين في نفوس الشباب وتوجيههم التوجيه الصحيح وتربيتهم التربية السليمة، والإعلاميون مطالبون بالتوعية ومحاصرة هذه الظاهرة، وكثير منهم مطالبون بأن يبدأوا من أنفسهم وصحفهم التي تنتهك حرمة الدين وتستبيحها وتمس الأخلاق والآداب العامة :

إنما الامم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *