تفاوضوا..ثم تفاوضوا، فإني مباه بكم الأمم


ذ. محمد البنعيادي

انقلبت الحقائق في زماننا المعاصر إلى أباطيل حتى أصبح ما تحصده الحروب وتدمره يفوق ما يداويه الطب.. وباتت المدن على تحضرها ورقيها تدمرها القنابل فأصبحت حركة الكون في كل مجالات الحياة من تقدم وازدهار نذير شؤم لبني الإنسان.. وخير دليل على ذلك الحديث المتواصل عن فلسطين الجراح والألم والتشريد.. فالحديث عنها أصبح سرمديا، إذ يبدو أن أوان العلاج قد فات قبل الأوان بأوان.. فبالأمس القريب ارتقبت آمال مفاوضات السلام زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تلك التي أقضت مضاجع الآمال في نفوس الفلسطينيين أولا ثم نفوس محبي السلام في العالم.. فهي زيارة جعلتني -وربما أكون مخطئا- استلهم العبرة والدرس من أقدم مشكلة في العصر الحديث.. ولا أدري ما الذي جعلني -أيضا- استحضر الحكمة القديمة الجديدة: حذار من أن تحلق على جناحي عدوك..!! فليس عجيبا ألا يتطرق (بوش) في زيارته إلى إلزام المحتل بتنفيذ أي قرار من قرارات الأمم المتحدة أو ما يسمونها (استفزازا) الشرعية الدولية.. ومع ذلك استبشر بعض أهل فلسطين بعض أمل حينما سار الرجل بسيارته حيث شاهد الحاجز والمتاريس ووسائل القمع والقهر لشعب أعزل.. ومع ذلك فهو يراها ضرورات أمنية أو احتياطات أمان.. وأثناء زيارته لم تتوقف الغارات الإسرائيلية على أهلنا في غزة ولم تتوقف حملات الإبادة بل ازدادت وحشية وجبروتا.. ورغم هذا وذاك نجد إصرارا من أولئك الذين ينصبون أنفسهم سلطة فلسطينية مصرين على متابعة المفاوضات والمباحثات وأهلهم في غزة قيد إبادة آلة الحرب الإسرائيلية.. ولست متشائما عندما أجزم بأن المفاوضات لن تجدي نفعا مقابل ما أقره المجتمع الدولي من قرارات حاسمة ولم تنفذ ولن يلتفت إليها…!! اللهم إلا إذا كانت مفاوضات لتمزيق الجسد الفلسطيني إلى الأبد.. فمتى يستيقظ ضمير العالم؟ ومتى يدرك هؤلاء أن ما يحدث للشعب الفلسطيني جريمة في حق الإنسانية قبل أن تكون في حق شعب..بل متى يرعوي هؤلاء اللاهثون وراء سراب المفاوضات.. وما ينادي به بوش من حقوق وديمقراطيات وإصلاح وخرائط، وتوهمه -بإيعاز سامري- بأنهم درع محاربة “الإرهاب” في الشرق وأنهم يقفون في طليعة الجبهة العالمية لمحاربة “الإرهاب”، ولذا فلا معنى لوجود الحدود إذ لا فرق بين الأراضي التي يعترف بها القانون الدولي بأنها محتلة وبين الأراضي التي يزعمون أنها إرث أو ملكية أبدية لأحفاد السامري، وبالتالي فلا حقوق إنسان أو أي مصطلح على شاكلته له أن يدين الاحتلال الصهيوني وإبادة المسلمين.

كل ذلك وأضعافه يجب أن يكون ناقوسا لإفاقة العرب والمسلمين من سباتهم العميق، فيستحضرون عظات التاريخ والاعتبار من أحداث صراع تخطى نصف قرن من الزمن، وليتذكروا أن الحركة الصهيونية قد قدمت نفسها للعالم بوصفها حركة تحرر وطني للشعب اليهودي الذي يعاني من الشتات والمذلة والقهر وغيرها من الأوصاف التي استمالوا بها وجدان الأوروبي والأمريكي على نحو خاص جدا..!! ومع ذلك لم يدرك هؤلاء أن الحركة في جوهرها كانت تعاني ولاتزال أزمة أخلاقية أو إنسانية.. فهي لا تستطيع أن تبرر جرائمها بحق شعب لاتريد الاعتراف بحقوقه وفقا للشعارات التي واكبت نشأة الحركة.. نذكر منها شعار:أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.. ثم ابتكروا المبررات التاريخية المزعومة والحجج التي لا تستند على أي منطق- إلا منطق الأساطير – من أجل إبادة شعب أو طرده من أرضه..!! وإذا كانوا يناهضون العنصرية منذ نشأة كيانهم نتيجة أوجاع ماضيهم بكل ما فيه من خزايا وما يزعمونه من إبادة.. فإن تصريحات زعمائهم كانت وما تزال هي العنصرية في أبلغ معانيها.. فهذا مؤسس كيانهم (بن جوريون) الذي يصفونه (بالنبي المسلح) يقول: إن أي يهودي يقترب من مشكلة الصهيونية من الجانب الأخلاقي ليس صهيونيا.. ثم يؤكد: نحن لا نريد مثقفين نريد قتلة.. وفي موقف آخر يقول: يجب أن نتخذ من الفتوحات العسكرية أساسا للاستيطان ودافعا يجبر العرب على الرضوخ والانحناء له..!! وحينما سئل عن حدود إسرائيل قال: حدود إسرائيل تكون حيث يقف جنودها..

وهذا أحد الحاخامات قد صاغ دفاعا غريبا عن جرائم الصهاينة مفسرا قسوتهم في سفك دماء الفلسطينيين والعرب.. فراح يسوق الأدلة لتبرئة “إسرائيل” فربطها بالرب قائلا: مادام الإله أو رب الجند – وفق المفردات الصهيونية – هو الذي يوجه صواريخ أرض أرض.. ويطلق المدفعيات الثقيلة.. ويدفع المدرعات لتقسيم جسد الضفة الغربية وهدم البيوت واجتثاث أعواد الأطفال النابتة في حقول غزة.. وهو الذي يقود طائرات اف16.. ويقذف القنابل من السماء المفتوحة الأبواب علي رام الله ونابلس.. ويحبس الصرخات المدماة فزعا في حلوق الأمهات.. وما دام رب الجنود الصهيوني هو الذي يركب اف16 ليطارد ظل طفل فلسطيني في حواري (جباليا) و(بيت ناهيا) فما السبيل أمامه لإقناعه بالتوقف عن حربه غير السجود المذل أمام فوهات دباباته والاستسلام المهين غير المشروط لشروطه وطقوس صلاته في رعاية رب النفط وصناعة الموت في البيت الأبيض..!!!

تلك كانت بعض عظات مشكلة المشاكل التي يجب أن يستحضرها العرب خاصة أصحاب القرار لأن الحرب صريحة واضحة في السياسة الإسرائيلية وهي جوهر الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي وفي توجهات امتلاكها كل أشكال السلاح الذي لا شبيه له ولا ند في دول الجوار..!! إن الحل لن يتأتي من خارج العالم العربي وإلا لكان قرار واحد ينهي المشكلة من قرارات الأمم .. فمتى نجنب أبناءنا شرور المستقبل.. ومتى نحفظ لهم خريطة المستقبل الآمن المستقر؟!!

إن نهج المقاومة كان ناجعا في أربعينات القرن الماضي، لكنه أجهض- بأياد داخلية وخارجية- تلته حقبة طويلة من المفاوضات، حقبة تشبه حلقات مسلسل مكسيكي ممل، ما إن يشرف على النهاية حتى يبدأ من جديد، حقبة كثر ضحاياها قتلا وتشريدا وتجويعا وحصارا، حقبة هدمت فيها بيوت إخواننا وانتشرت مغتصبات الصهاينة كالسرطان… حتى اقتنعت الغالبية العظمى من الأمة الإسلامية عموما والشعب الفلسطيني خصوصا أن المرحلة المقبلة هي مرحلة العودة إلى المقاومة باعتبارها النهج الطبيعي والسليم الذي تكفله الشرائع السماوية والوضعية لتحرير البلاد والعباد. ومن مؤشرات ذلك ما عرفته الأشهر الثلاثة الأخيرة من تطورات تصب كلها في رصيد خيار المقاومة، فقد أفاد استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ومقره الضفة الغربية أن الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) زادت شعبية إسماعيل هنية القيادي بالحركة بين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

وأظهر الاستطلاع أنه إذا أجريت انتخابات رئاسية جديدة فسيحصل هنية على 47 في المئة  من الأصوات مقابل 46 في المئة للرئيس محمود عباس زعيم حركة فتح.

ووفقا للاستطلاع ساهم تفجير نشطاء حماس لمعبر رفح الحدودي بين غزة ومصر في يناير الماضي في تزايد شعبية هنية بين الفلسطينيين، وجاء في بيان صاحب نتائج الاستطلاع “ساهمت هذه التطورات على الأرجح في خلق تعاطف شعبي مع حركة حماس لنجاحها في كسر الحصار واجتياح الحدود ولكونها ضحية للضربات الإسرائيلية.”

وقال مدير المركز الدكتور خليل الشقاقي:” عملت هذه التطورات على خلق تعاطف شعبي مع حماس لنجاحها في كسر الحصار واجتياح الحدود ولكونها ضحية للضربات الإسرائيلية, كما ساهمت في ضعضعة مكانة الرئيس عباس وحركة فتح وأظهرتهما كعاجزين لفشل الإثنين في إحداث تحول في الواقع اليومي بالضفة الغربية أو في إنهاء الاحتلال من خلال العمل الدبلوماسي”.

واضاف :”هذه النتائج تبين أن أولويات الفلسطينيين ليست في توفير الرواتب، إنها في ما تفعله إسرائيل وفي الحرية، وحماس والجهاد الإسلامي أظهرتا أنهما قادرتان على الرد على إسرائيل بينما لم يتمكن الرئيس عباس ورئيس وزرائه سلام فياض من إزالة حاجز عسكري واحد أو تجميد البناء في مستوطنة واحدة..وبيّن استطلاع آخر أن 84 في المئة من الفلسطينيين يؤيدون العملية العسكرية الأخيرة في القدس، وأن غالبية من 75 % تطالب عباس بوقف لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت”، معتبرا أن ذلك ناتج عن فشل العملية السلمية.

وفي الخلاصة: إن تطورات الأشهر الثلاثة الماضية أحدثت تغييراً كبيرا ملموساً في اتجاهات الرأي العام الفلسطيني لصالح حماس على حساب فتح.

ومن جهة أخرى كشفت مصادر إسرائيلية عن أن مسئولين في السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال أجروا محادثات سرية في إطار المفاوضات التي تجري بينهم منذ عقد مؤتمر أنابوليس، وبعد أقل من أسبوع على المجزرة التي نفذتها قوات الاحتلال بقطاع غزة وراح ضحيتها 130 شخصاً أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء.

وتكذب هذه الأنباء التي لم ينفها فريق رام الله، مزاعم السلطة عن تعليق المفاوضات مع الكيان الصهيوني بسبب العدوان الصهيوني على الفلسطينيين في قطاع غزة.

وتتواصل هذه الاجتماعات من الجانب الفلسطيني رغم إصرار الجانب الصهيوني على مواصلة الاستيطان في القدس، ضارباً عرض الحائط بتنفيذ التزامات المرحلة الأولى مما يعرف بخارطة الطريق,

وقال أولمرت خلال مؤتمر صحفي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي زارت الكيان الإسرائيلي مؤخرا:” ستكون هناك أماكن تجري فيها عمليات بناء أو إضافة إلى البناء لأن هذه الأماكن ستظل في يد إسرائيل في أي اتفاق في المستقبل وهذا يشمل أولا وقبل كل شيء القدس والكل يعلم ذلك”, وتصر السلطة الفلسطينية على مواصلة مسيرة التسوية التي تجددت إثر مؤتمر أنابوليس الذي عقد في شهر نوفمبر 2007، رغم عدم وفاء الكيان الإسرائيلي بالتزاماته المتعلقة بوقف الاستيطان، وعدم تحقيق أي تقدم يذكر على أي من مساراتها باعتراف جميع الأطراف المشاركة بها.

ولذلك نقول لفريق المفاوضات: “تفاوضوا… ثم تفاوضوا… فإننا لا نباهي بكم الأمم لا اليوم، ولا يوم القيامة”.

ورحم الله القائل: من دخل مدخلا لا يشبهه، خرج مخرجا يشبهه..!!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *