تأملات دعوية في حديث الجسد المتلاحم


د. عبد الحفيظ الهاشمي

تمهيــد:

إن العمل الجماعي لنصرة الإسلام، و استعادة سلطانه، فريضة و ضرورة، فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع. وإن إصلاح الفرد -وإن كان هو الأساس-لا يتم إلا في ظل جماعة يعيش في كنفها.

لقد علمنا ديننا، وعلمنا تاريخنا، وعلمنا واقعنا، أن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده، قوي بجماعته، وأن يد الله تعالى مع الجماعة، وأن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية، وأن الأهداف الكبرى التي نريد من الأمة تحقيقها من التحرر والوحدة والنهوض والنماء، وتحكيم الإسلام في الداخل وتبليغه في الخارج، لا يمكن أن تتم إلا بجهود جماعية بناءة. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد علمنا من قراءة الواقع : أن أهل الباطل يتكتلون حول باطلهم، فأولى بأهل الحق أن يجتمعوا ويتجمعوا على حقهم، وأن من فرقتهم أيام الرخاء أهل لأن يجتمعوا في ساعة الشدة “إن المصائب يجمعن المصابين”، وأن المعارك الكبرى توحد المختلفين أمام العدو المشترك {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}(الصف : 4).

لهذا ينبغي التصميم على البحث عن الأشباه ممن ينشدون الحق، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ليضعوا أيديهم في أيدي بعض، ويضموا جهدهم إلى جهد بعض، ليتكون من اللبنات المتناثرة جدار متين، ومن الجدران المتعددة دار شامخة، فيمضون في طريق العمل الجماعي، يعملون بصمت، ويبنون في صبر، ويجاهدون بلا كلل ولا ملل، عازمين على أن يعيشوا متواصين بالحق والصبر، متواصلين في السراء والضراء، ((فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا))(أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة).

الجسد في التصوير النبوي:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))(متفق عليه).

وهنا يمثل صلى الله عليه وسلم  المؤمنين في التراحم والتواد والتعاطف -وكلها من باب التفاعل الذي يستدعي اشتراك الجماعة في أصل الفعل- بالجسد الواحد، فكما أن الجسد إذا مرض منه عضو تألم له الباقي، فلم يذق نوما وسارت إليه حرارة الحمى، فآلمته، فكذلك المؤمنون حقيقة إذا ناب واحدا منهم نائبة شعر بألمها الباقون، فسعوا بما فيهم من العواطف لدفع الألم عنه وجلب الخير إليه. فالمؤمنون في مجموعهم كشخص واحد كل فرد منهم بالنسبة للمجموع كالعضو بالنسبة للشخص، فالخير يصيب الواحد منهم كأنما أصاب كلهم، والشر ينوبه كأنما ناب جميعهم.

لقد شبه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  جميع المؤمنين في علاقة بعضهم ببعض بالجسد الواحد، وهو تشخيص حي وبليغ. يصور وراء التراحم والتواد والتعاطف معاني الالتحام الكامل، والتوحد التام، والتضامن الفاعل. فالجسد بهذه المعاني يحمل خصائص الوحدة مع التنوع الداخلي الذي لا يلغي التداخل التام والانسجام التام بين الأجهزة المكونة له، وعلاقة هذه الأجهزة بعضها ببعض في تخصصاتها وكونها تسير عبر مركز كبير يوجهها.

وإذا كان جسد الإنسان -الممثل به في الحديث- يقوم على عدد من الأعضاء، وكلها تتكاثف وتتعاون في انسجام تام لتحقيق وظائفه، والقيام بمهامه، ولا يحدث ذلك مضاعفات، أو يخلف آلاما وأعراضا صحية.. بقدرة الله تعالى وبديع صنعه، فجسد الجماعة المؤمنة يقوم أيضا على أعضاء لها وظائف تتكاثف وتتظافر وتتكامل لينطلق الجسد متفاعلا مع الواقع بحيوية ونشاط.

بل جسد الجماعة يقتضي انسجاما كاملا وتوافقا تاما بين أعضائه، لأن كل واحد منها يحتل موقعا متميزا عن الآخر. وحيثما انصهر كل الأعضاء في تكتل وانسجام سلم الجسد من الآفات والأمراض، وضمن حظوظ الحياة والسلامة.

نعم؛ سيكون جسدا حيا متماسكا، أعضاؤه هم المؤمنون الربانيون، وهذه الجسدية تحصل تلقائيا بتوحد التصورات و تحديد المرجعيات، وإحسان السلوك والالتزام والإخلاص في كل ذلك لله تعالى.

فلقد علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أن جماعة المؤمنين لا يمكن أن تكون إلا جسدا واحدا، وإذ يكني بذلك عن الوحدة التي ينبغي أن يعمل المومن على المحافظة عليها -وهو الأصل- أو السعي إلى تحقيقها أو ترميمها كلما أصيبت بتصدعات  وانشقاقات..

ويمكننا أن نستخلص في ضوء التصور الجامع والتعبير البارع، الوارد في الحديث الصفات الآتية:

-يتبع-

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *