حـتّى تكـونَ حـداثيا


إذا تظَلَّمْنَا إلى حامي الحمى

قيل لنا ممنوع

إذا تضرعنا إلى رب السما

قيل لنا ممنوع…

إذا هتفنا يا رسول الله

خذ بأيدينا…

يعطوننا تأشيرة من غير

ما رجوع…

-نزار قباني-

لعل هذه الأبيات الشعرية القليلة تعبر خير تعبير عما يريده بعض حداثيي آخر الزمان فرضه على الشارع العربي… فحتى تكون حداثيا بمنظورهم الضيق عليك أن تلجم فمك، وأن تبتلع لسانك عن كل ما يجري حولك من أحداث مؤلمة بكى لها العدو قبل الصديق، فما يقع في غزة ليس خطأ أمريكيا أو صهيونيا، إنما هو تعنت حماس التي أبت أن توقف الصواريخ في اتجاه الكيان الغاصب… وما يقع في العراق سببه المليشيات التي ترفض ديمقراطية الجيش الأمريكي… فحتى فساد الأنظمة هو فساد حداثي الهدف منه محاربة الإرهاب والتطرف ونشر مبادئ التسامح والمحبة بين الشعوب، لذا ما كان عليك أن تمتعظ وأن ترى المهرجانات الباذخة التي تهذر فيها الأموال العمومية، مقابل موجة الغلاء التي أرهقت جيوب الشعب، وأفواج العاطلين من حملة الشهادات العليا، والهجرة الجماعية في قوارب الموت… لأن ذلك جزء صغير من ضريبة الحداثة.. فلكي تكون حداثيا عليك أن تعلن التطبيع مع كل مظاهر الفساد والتفسخ الأخلاقي، بدءا من تضامنك مع الشواذ إلى محاربتك للتدين، وفي حالة صدور أدنى تعليق منك تجاه ما يحدث فاعتبر نفسك إرهابيا بامتياز، وظلاميا وطابورا خامسا يحاول جَرَّ الوطن إلى الخلف، والإجهاز عن ما حققه الحداثيون طيلة نصف قرن من الصراع مع الهوية الحضارية للأمة… ويومها لن تكون في منأى عن حراب كل الديمقراطيين والحداثيين عبر صحفهم المأجورة وأبواقهم المسعورة…

هكذا فقط يمكن أن تكون حداثيا…

(.. هكذا لن تشهق الأرض

ولن تبكي السما

هكذا لن تصبح الأوراق

أكفانا ولا الحبر دما

هكذا  دواليك… دواليك

لكي يعطيك والِيك فما

وطني يا أيها الأرمد

ترعاك السما

أصبح الوالي هو الكحال

فأبشر بالعمى…)(*)

——

(*) أحمد مطر قصيدة “الأرمد والكحال”.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *