الإقبال على الله وتطبيق شرعه والثبات على دينه هو الردّ الحقيقي على الاستهزاء برسول الله


الخطبة الأولى :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا…

عباد الله : ليس غريبا ولا عجيبا أن نسمع أو نقرأ ما يقال وما يكتب عن الإسلام وعن مقدسات وحرمات الإسلام، وما يُدبّر لهذا الدّين من مكائد، وما يشن ضد هذا النور الرباني الساطع من مؤامرات وحروب.

فالكره للإسلام، والحقد على الدين وإذاية المسلمين كان منذ أن بدأ الوحي يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زال.

وأما الاستهزاء والاستخفاف برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عادة المشركين، وهو الأسلوب الذي نهجه الكفار من أجل أن ينالوا من سمعته ويحطوا من قدره، ويشوهوا صورته حتى يتقلص عدد أتباعه وحتى لا يتنشر الإسلام، قال تعالى : {ن. والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون} وقال : {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون..} وقال تعالى : {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون}.

وقد كان حقد المشركين وغيظ الملحدين يدفعهم إلى تجاوز حدود الحرب الكلامية إلى إلحاق الأذى بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسمه وبدنه، فكتب السيرة تحكي لنا أن زوجة أبي لهب كانت ترمي عليه أحشاء الإبل وهو يصلي، وأنه صلى الله عليه وسلم لما توجه إلى الطائف قابله أهل ثقيف بمنكر من القول وأغروا به صبيانهم فقذفوه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الطاهرتين وأنه عندما أراد الهجرة اجتمعوا عليه ليقضوا عليه نهائيا ويقوموا بتصفية جسده وإزهاق روحه.

وكان صلى الله عليه وسلم كلما اشتدت إذاية المشركين له ازداد تمسك المسلمين به وازداد ارتباطهم به صلى الله عليه وسلم وازداد تشبتهم بالدين وثباتهم على الحق.

وبناء على هذا فإن ما أقدم عليه أعداء الدين وخصوم الملة من نشر رسوم تسيء إلى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شيئا جديداً في أعمالهم وتصرفاتهم، وإنما ورثوا ذلك من أسلافهم وينضاف هذا إلى سجل تاريخهم وإلى سلسلة الإذايات لمقدسات الإسلام التي قد لا تتوقف ولن تنتهي، فمنهم من انتهك حرمة الكعبة المشرفة بإشهارات ساخرة وإعلانات ماكرة، ومنهم من توعد بهدمها، ومنهم من استنكر تحريم دخول الكفار إلى الحرمين الشريفين مدعيا أن بلاد الكفار مليئة بالمساجد ومنهم من صنع قرآناً مكذوبا وسماه “الفرقان الحق” ومنهم من ادعى أن الإسلام مرتبط بالاستبداد ومنهم من ادعى أن الاسلام يشجع على العنصرية بدعوى أنه يميز طائفة المسلمين عن غيرهم في قوله تعالى : {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ومنهم من يدعي أن الإسلام يحط من قدر الكفار باستعماله للفظة “الكافر” ويرى أنها لفظة قدحية تحقيرية.

وأما إساءتنا نحن المسلمين -للإسلام ولكتاب الله عز وجل ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فحدث ولا حرج، ويتجلى ذلك من خلال معاملاتنا وسلوكاتنا  وتصرفاتنا ومواقفنا وتصريحاتنا واعتقاداتنا سواء كان ذلك عن علم أو جهل.

عباد الله :إن كل هذه الحركات والسكنات تجري في هذا الكون على عين الله عز وجل وإن الله تعالى الذي لم يتخل عن عبده ورسوله في كل اللحظات العسيرة التي مرت به في حياته وفي كل الشدائد التي ألمت به، وفي كل المحن التي أحاطت به، فإنه سبحانه وتعالى قادر على أن لا يتخلى عن عباده المؤمنين الصادقين وجنده المخلصين الذين اختاروا طريق الحق والهدى وثبتوا على الحق وصبروا على المكر والخداع رغم كل أنواع الترغيب والترهيب لصدهم وإبعادهم عن الدين لأنهم على يقين تام وإيمان كامل أنه مهما اشتدت الآلام ومهما تعقدت الأمور ومهما تكشرت أنياب الخصوم والأعداء ومهما استهزأ المستهزئون، وتطاول الظالمون وطغى المجرمون فإن النصرة لدين الله وإن العلو والرفعة لكلمة الحق وإن جند الله لهم الغالبون، قال تعالى : {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا ياتكم مثلُ الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب..}.

وقال تعالى : {لتبلَوُنّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمَعُن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.

اللهم إنك تعلم سرنا وعلانيتنا فاقبل معذرتنا وتعلم حاجتنا فأعطنا سؤلنا وتعلم ما في نفوسنا فاغفر لنا ذنونبا، اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا ويقينا صادقا حتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتب لنا رضا منك بما قسمت لنا أنت ولينا في الدنيا والآخرة توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ويرحم الله عبدا قال  آمين.

الخطبة الثانية :

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبي الرحمة والهدى ورسول السلام سيدنا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام.

عباد الله : إن كل المؤامرات على دين الله تعالى وعلى مقدساتنا الإسلامية امتحانات واختبارات وابتلاءات لأجل أن نعرف حقيقة أنفسنا ولأجل أن نعرف مكانة هذا الدين عندنا وإن هذه المؤامرات كذلك لهي أدلة واضحة وحجج وبراهين تؤكد لنا حقيقة الخصوم والأعداء.

وإن واجبنا نحن المسلمين إزاء كل هذه المؤامرات هو الإقبال على دين الله عز وجل بكل صدق وإخلاص وتطبيق شرع الله عز وجلّ، والثبات على النهج السليم، وتعظيم كل المقدسات في نفوسنا بدءاً بمحبة الله ومحبة كتاب الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة صادقة خالصة كما أحبه الصحابة رضوان الله عليهم.

فقد ورد في كتب السيرة مواقف كثيرة لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان أثناء هجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير مرة أمامة ومرة خلفه خوفا من أن يصيبه أدى من أمامه أو خلفه، وأنه دخل الغار ليتفقد ما فيه خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصيبه شيء.

ومنها أن أبو طلحة رضي الله عنه كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : لا ترفع رأسك كي لا يصيبك سهم فنحري دون نحرك يا رسول الله.

ومنها أن أم عِمارة رضي الله عنها هي وزوجها وولدها كانوا يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضربات الأعداء يوم أحد، ويسألونه مرافقته في الجنة.

ومنها أن امرأة من بني دينار مات زوجها وأبوها وأخوها، ولما أُخبرت بذلك قالت (ما فعل رسول الله) فلما وجدته قالت : كل أمر بعدك جلل يا رسول الله.

ومنها أن زيد بن الدّثِنَّة رضي الله عنه وهو مصلوب مقيد ينال من العذاب أشده، سئل : “هل تحب أن يكون محمدٌ مكانك وأنت آمن في بيتك”، فأجاب رضي الله عنه : ((لا أحب أن تمسه شوكة وهو آمن في بيته)).

فهذه بعض مواقف الصحابة رضوان الله علهيم في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كم نحن في أمس الحاجة إلى التذكير بها في كل لحظة وإلى تربية أبنائنا عليها حتى تغرس في نفوسنا محبته صلى الله عليه وسلم فنرفع شعار ((لا نحب أن يمس رسول الله في عرضه وشرفه وهو في قبره)) لأن إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم إذاية للمسلمين جميعاواحتقار لهم.

ولا محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا دفاع عنه صلى الله عليه وسلم إلا باتباع سنته والسير على نهجه وطريقته وهو الرد الصحيح على كيد الكائدين ومكر الماكرين، وأما الصراخ والبكاء، والندب وشتم الأعداء، ثم الإقبال على اللهو واللعب والعبث وانتهاك حرمات الدين من قبل المسملين فذلك كله لا يفيد.

إننا نريد أن يكون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثيرها الفعال في كل جوانب حياتنا كما أثر ذلك في حياة الصحابة والمسلمين الأوائل، وصنع منهم رجالا وأبطالا، وأما الأعداء الحاقدون فنقول لهم : {قل موتوا بغيظكم} فقد شرفنا الله تعالى بنعمة الإيمان، ونعمة الإسلام، وكرمنا بنعمة القرآن ونعمة سيدنا محمد خير الأنام.

وإن الحفاظ على هذه النعم لهي أساس وحدة المسلمين، وسبيل سعادتهم في الدنيا وفوزهم في الآخرة بما فاز به الصادقون الأولون.

اللهم أنر قلوبنا بالهدى والخير والحق المبين، واجعلنا من عبادك الصالحين وجنودك المخلصين…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *