اغتنم الفرصة واستفد من شهر رمضان


الخطبة الأولى

عباد الله : لقد مرت من شهر رمضان أيام الرحمة وهي العشرة الأولى، وأيام المغفرة نودعها وهي العشرة الثانية، ولم يبق منه إلا الجزء الثالث وهي أيام العتق من النار، قال رسول الله  : >وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار<.

فيا أيها المؤمن الصادق راجع عملك خلال هذه الأيام المباركة التي مرت من رمضان واسأل نفسك هل كنت موفقا فيما قدمت بين يدي الله من الطاعات والقربات والصالحات فتكون أهلا لرحمة الله ومغفرته، أم كنت مقصرا، غافلا، لاهيا، غير مبال بطاعة إن ضيعتها  أو معصية إن اقترفتها أو صيام إن أفسدته بقول الزور أو العمل به فتكون من الذين أشار إليهم رسول الله  في قوله : >من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه<.

أيها المؤمن الكريم : إذا كنت من الذين عاشوا هذه الأيام والليالي في مرضاة الله تعالى فاحمد الله عز وجل واسأله القبول، وإذا كنت غير ذلك فاعلم أن الله عز وجل قد أتاح لك فرصة أخرى، وأطال عمرك حتى تلقى هذه الأيام المباركة، وهي العشر الأواخر من شهر رمضان.

فيا من يتشوق إلى القرب من الله، ويطمع في رحمته ورضاه، احرص على إحياء العشر الأواخر من رمضان، واجتهد وجاهد، واجعل قدوتك وأسوتك  الحبيب المصطفى سيدنا محمد  الذي كان إذا حلت هذه الأيام أولاها عناية فائقة، واهتماما بالغا، فخصها بمزيد من الذكر، والدعاء والاستغفار والقيام وتلاوة القرآن.

أخرج الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها : >أن النبي  كان إذا دخل العشر أحيى الليل وأيقظ أهله وشد المئزر<.

فيا أيها الصائم القائم المحتسب، وأنت تحيي أواخر شهر رمضان بأيامها ولياليها بما أمرك الله من الطاعات والقربات، ادع الله تعالى بإلحاح واصدق معه في الدعاء على طلب ليلة القدر وتحريها حتى تصادفها وتوافقها بفضل منه ورحمة.

وداوم على تلاوة القرآن وتدبر معانيه حتى تنتفع بما أودعه الله تعالى فيه من نفحات ربانية وتجليات إلهية، واعلم أن القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  قال : >الصيام والقرآن يشفعان للعبد يـــوم القيامة، يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن : منعته النوم الليل فشفعني فيه، قال : فيشفعان<0رواه الإمام أحمد والطبراني).

وأكثر أيها الصائم من الصلاة والتسليم على  سيد الخلق وحبيب الحق، وهو المبشر بقوله : >من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه<.

ولازم التضرع إلى الله تعالى والدعاء بخشوع وخضوع وتذلل واطلبه المغفرة والرحمة والعتق من النار، والفوز برضا الرحمان وخصص جزءا من دعائك لعامة المسلمين لأن الأمة في حاجة إلى دعاء الصالحين.

ولا تنس أن تردد بين الحين والآخر ذلك الدعاء الذي علمه رسول الله  لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، لما سألته يا رسول الله أرأيت إن علمتُ أي ليلة ليلةُ القدر، ما أقول فيها؟ قال : قولي : اللهم إنك عفوّ تحبّ العفو فاعف عنّي<.

فاللهم يا رب نسألك بكل أسمائك الحسنى وصفاتك العليا، ونسألك باسمك العظيم الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت وإذا دعيت به أجبت، أن تنزل علينا رحمتك وتتفضل علينا بعفوك ومغفرتك.

الخطبة الثانية

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وبعد :

قال الله تعالى : {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر}.

لقد أخبرنا المولى سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن في هذه الليلة المباركة، التي هي ليلة القدر، فكان لها بذلك شأن عظيم ومكانة عالية ومنزلة رفيعة حيث تميزت عن كل ليالي السنة، وما كان لها هذا الشأن إلا بنزول القرآن فيها، قال تعالى : {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} فقد استمدت بركتها من بركة القرآن، وعظمتها من عظمة القرآن، وقد بقيت خالدة بخلود القرآن، وتتنزل فيها الرحمات بالقرآن الذي هو رحمة مهداة من الرحمن الرحيم لهذه الأمة التي اختارها واصطفاها على كل الأمم وأكرمها برسوله الكريم، وجعله بالمؤمنين رؤوفا رحيما. وتسطع فيه الأنوار بالقرآن الذي هو نور من الله عز وجلّ أضاء به طريق الحق، ونوّر به قلوب المؤمنين وعقولهم، وغذى به أرواحهم.

كل هذه الخيرات والمكرمات كانت بسبب القرآن الذي يعتبر مصدر كل خير.

عباد الله : لقد حق لليلة نزل فيها الخير، وسطع فيها هذا النور من رب العالمين ونزلت فيها هذه الرحمة من الرحمان الرحيم وعمّ فيها هذا الفضل من المولى الكريم، أن يكون لها الشرف العظيم والمجد الكريم وأن يجعلها خيراً من الأعوام والسنين.

وأن تتنزل فيها ملائكة الرحمان، وأن تملأ بالأمن وتفيض بالسلام والأمان وذلك إعلاء لشأنها وإكباراً لقدرها، والأمة الإسلامية إذ تحيي هذه الليلة في كل أنحاء العالم الإسلامي، إنما تتطلع إلى ميلاد حياة جديدة، وإلى بعث ونهضة لهذه الأمة، حيث تستيقظ العقول وتحرر الأفكار، وتزكو النفوس وتسمو الأرواح وتستنهض الهمم، ويزدهر العلم، وتعود الحرية، ويُقام العدل ويُقضى على الظلم.. ويعلو صوت الحق، ويزهق  الباطل، ويتوحد المعبود بحق، وليس ذلك للأمة إلا بشيء واحد، لا يتحقق هذا كله إلا بالعودة إلى القرآن بشوق ولهفة وإيمان متجدد في النفوس وبتوثيق الصلة بالقرآن، وبتمتين العلاقة بالقرآن وبالإقبال على القرآن حفظا وتحفيظا وفهما وتفهيما، وتطبيقا لمبادئه، وثباتا على نهجه السليم، بإخلاص وصدق، وتعليما وتربية لأبنائنا وبناتنا على تقديسه وجعل كلمته هي العليا في حياتهم، فبالقرآن نستطيع أن ننشئ أفراد المجتمع الطاهر، ونوجد أعضاء الأمة القوية. إننا نريد أن يكون للقرآن تأثيره الفعال في جوانب حياتنا كلها، كما أثر في حياة السلف الصالح من المسلمين، وصنع منهم رجالا، أسسوا جيلا قرآنيا مؤمنا وأعدوا أمة مسلمة قوية وهيأوا مجتمعا ربانيا فاضلا، وصاروا رحمة ونوراً يشع في الناس.

يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد. يا عليم يا حكيم، يا حليم يا عظيم يا رحمان يا كريم، يا غفور يا رحيم.

يا من عنت له الوجوه وخضعت له الرقاب، وخشعت له الأصوات، يامن رحمته وسعت كل شيء يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فارحمنا رحمة واسعة تغنينا بها عن رحمة من سواك…

ذ. ادريس اليوبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *