الـمسلمون بين شدائد العصر وبشائر النصر


بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة، اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما، اللهم اجعلنا أول العاملين بما نعلم من كتابك  وسنة نبيك  أما بعد :

الأثمان تابعة لجودة السلع

فيمكن تلخيص هذا الموضوع في كلمتين:

لا بد من الثمن لأي سلعة، وبما أن سلعة الله الجنة فثمنها غال جدا، لأن الجنة هي مستقر الرحمة، قال رسول الله  : >إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة<(رواه البخاري)، فبقسمة واحدة يتراحم جميع الخلائق منذ كانت الدنيا حتى تفنى، جميع مظاهر الرحمة التي ترى في علاقة الآباء بالأبناء، في علاقة المؤمنين ببعضهم بعضا، في علاقة الكائنات الوالد بولده، والوالدة بولدها، في علاقة جميع الكائنات، جميع مظاهر الرحمة والرأفة والحنان كلها تدخل في قسمة واحدة، وهي مَجْلَى صفة الرحمن {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}(الأعراف : 156)، وتسعة وتسعين للرحيم { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}(الأعراف : 156)، شاع بين الناس أن الله رحمان الدنيا ورحيم الآخرة وذلك له شواهده ومنها هذا، الرحيم لشدة الرحمة، والرحمن لسعتها، يدخل فيها جميع الخلائق كفارا كانوا أم مؤمنين، أحياء كانوا أم غير أحياء، أم جمادات، ورحمته وسعت كل شيء، أما اسمه الرحيم، فهو للمومنين {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(التوبة : 128)، تلك الرحمة أين تتجلى أساسا؟ في الجنة، وفيما أعد الله لأهل الجنة، { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}(يونس : 26)، {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ..}(ق : 35) وكل ذلك من رحمته تعالى، هذا الثواب العظيم جدا، الذي نقيس الغائب فيه على الشاهد، نقيس ما لا نرى بما نرى، وهذه قسمة واحدة الجميع غارق فيها.

رحم الله القائل:

تأملت في نعم كثرت

علي من الله في كل شيّ

فذكري لها وكذا شكرها

وإن لم يوفّ فمنه إليّ

وها أنا في بحرها غارق

ومن ثم غيرك والكل فيّ

فأنت منَنْت وأنت  ذكرت

وأنت شكرت فغيرك أيّ

سبحانك لا إله إلا أنت، القسمة الواحدة من المائة من رحمة الله قد غرق فيها جميع الخلائق، لأن جميع الخلائق مما نعلم ومما لا نعلم هو في رحمة الله، ومن ثم فالفرح أساسا بفضل الله وبرحمته { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}(يونس : 58)، >لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته وفضل<(رواه أحمد) ومن تغمده برحمته وفقه إلى فعل ما يوجب رحمته سبحانه وتعالى {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(الأعراف : 43).

فإذا قسنا التسع والتسعين بواحدة التي نشاهد، فكيف هي هاته الرحمة؟ في وصف رسول الله  لرحمة الجنة >أعددت  لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر<(رواه البخاري)، فإذن هذه السلعة عظيمة الشأن جدا، شيء لا يتخيله الذهن حتى إذا أراد تخيله لا يستطيع تخيله، فلا بد أن يكون ثمنه كذلك مرتفعا، لا بد أن يكون عاليا >ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة<(رواه الترمذي)، فالمؤمنون ما كان يحركهم ولا يحركهم ولن يحركهم حق التحريك إلا مثل هاته السلعة فهم عن الدنيا معرضون وفيها زاهدون، لأنها فانية بكل ما فيها فكيف يمكن التعويل على شيء فيها؟ فلا تعويل لا على صحة ولا على مال، ولا على ولد، ولا على أي شيء على الإطلاق، إذ كل ما فيها زائل هالك فان، فإذن توكل على الحي الذي لا يموت، لابد من ثمن يكافىء الـمُثْمن، يكافئ السلعة التي ستشترى، وبما أن هاته السلعة هي الجنة فتحتاج إذن إلى ثمن باهظ، ولكنه أيضا يسير على من يسره الله عليه، في الحديث الصحيح الذي تعرفونه أن معاذ بن جبل قال لرسول الله : : >أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، ولكنه يسير على من يسره الله عليه<(رواه الترمذي). فاللهم يسره علينا تيسيرا، ويسره لنا تيسيرا. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.

الوعد بالجنة أول البشائر

إن البشائر  بالنسبة للمؤمنين كثيرة جدا فيها العام وفيها الخاص وفيها القريب وفيها البعيد، وأعظمها بشرى الجنة، وبشرى رضوان الله سبحانه وتعالى، فالله وعد المؤمنين بالنصر وجعله حقا عليه {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(الروم : 47) وقال {إن تنصروا الله ينصركم}(محمد : 7) في أي لحظة تاريخية، في أي بيئة، في أي وسط {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }(محمد : 7)، إذا لم تجد جواب الشرط فاعلم أن الشرط فيه خلل، أما جواب الشرط فلا يمكن أن يتطرق إليه خلل مع وجود الشرط. فإذا رأينا في الخارج ما لم يعجبنا، فلنتأمل جميعا قول الله تعالى : {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}(آل عمران : 165) ليس من جنس خارجي، ليس من اليهود ولا من النصارى كما يحدث عادة في التحليل لأوضاع وأحوال المسلمين، والبلايا التي تحيط بهم وتصيبهم، الكل لا أصل له، التعليل والتحليل الصحيح هو التحليل القرآني السني وهو دائما داخلي، وما أصاب المسلمين في السيرة النبوية بما كسبت أيديهم، ما أصابهم شيء لا في أحد، ولا في حنيـن… ولا في أي وقت إلا بما كسبت أيديهم، وذلك لظروف  عظيمة تنبني على ذلك، فالتربية بالأخطاء هي وجه من وجوه التربية العظيمة، لأن الإنسان قبل أن يصيبه جزاء الخطأ، يكون ساهيا ولا يصحو إلا بعد نزول الصفعة، إذ ذاك يتهيأ نفسيا للتلقي، قبل ذلك لا يكون مهيئا، لوحاولت أن تعلمه وتفقهه وأن ترشده لا يسمع، صحيح كما قال  : >والسعيد من وعظ بغيره<(رواه مسلم) ولكن هذه درجة عالية ومن أجلها قُصَّ القصص {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ}(يوسف : 111) قُص للسعداء -نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بفضله وكرمه- لأن في القصص وفي غير القصص، من أمور الكون التي يُفَكَّرُ فيها، فيها ما يكفي للدلالة والإرشاد، لكن لمن كان فيه ما يلزم من الاستعداد، أما إذا لم يكن ذلك الاستعداد فإنه لا بد من تهييء ظروف الاستعداد بأشكال من الصفع والضرب والركل وما أشبه، تتجلى بأشكال مختلفة لتُهيئ الجو للتلقي.

مصائب المسلمين  في القرنين الأخيرين بين العدل والفضل

إن ما حدث للمسلمين بصفة عامة في القرنين الأخيرين هو من النقم التي في طيها كثير من النعم، هي نقم فيها عدل الله وفيها فضل الله.

فيها عدل الله سبحانه وتعالى { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}(فصلت : 46) لأن ما أصابنا فيها كان على السنة {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}(الشورى : 30)، فظاهرة الاستعمار جملة في العالم الإسلامي،  ظاهرة طغيان الأعداء وعلوهم في الأرض الآن بالقياس إلى المسلمين كل ذلك بما كسبت أيدينا، لا لأن الأعداء حسن حالهم، ولا لأن الله رضي عنهم، لا، أبدا مازالوا مضروبا عليهم الذلة والمسكنة، ولكن بما أن الذين كلفوا بحمل الأمانة ووكل إليهم أمر الشهادة على الناس، ما حملوا الأمانة حق حملها، بل فرطوا فيها، وأخلدوا إلى الأرض، واتبعوا هواهم فابتلاهم الله بأشكال من الابتلاءات أحطها وأقذرها هذا الأخير، هوأن يبتلوا بالذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ولا يكون هذا إلا نتيجة مقت عظيم، وأقول فيه عدل الله سبحانه وتعالى، وفيه فضل الله، ومن ذلك الفضل هذا الوجه الثاني للأمر، وهوأن هذا السكر بالدنيا لا سبيل إلى إيقاظ المسلمين منه إلا بمثل هذه الصواعق المحرقة، إلا بمثل هاته الكوارث، لأنه لولا مثل هاته الصواعق ما استطعنا أن نستيقظ، وما كان ما يسمى اليوم بالصحوة الإسلامية التي نرجوأن ترشد وأن تتسع وأن يمكن الله لها في الأرض بجوده وكرمه.

وعود الله مشروطة مخصوصة

الله وعد، ووعده صادق، ولكنه ما وعد إلا نوعية مخصوصة، إذ لم يعد إلا بشرط، ما وعد الله وعدا إلا مشروطا، وعوده كما قلت بالنصر العام، أوبالتخصيص بالنصر في الدنيا مثل { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}(غافر : 51) والذين آمنوا حتى ولولم يكن الرسل {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}(غافر : 51) في الحياة الدنيا بالتحديد،وبـ”إن” و”لننصر” كلها توكيدات ثم جمع هذا الأمر في صورة السنة الماضية الكونية في سورة الأنبياء : 105 {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} سواء كانت الأرض بمعنى صغير كما ذهب بعض العلماء بأنها بمعنى فلسطين فقط {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}(المائدة : 21)، أوكانت الأرض هي هذه الدنيا، الكرة الأرضية كلها، أوكانت الأرض هي الجنة { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}(الزمر : 74)…. المعاني لا يوجد لها مخصص في الآية ولا داعي للتخصيص، بل ما جاء من الآيات بعد جاء موضحا لأشكال الأرض، فهي سابقة على الأولى، وسابقة على الثانية، وسابقة على الثالثة.

فالله وعد في الذكر الأول، ووعد في الزبور، ووعد فيما جاء مما نزل من الكتب، وحتى في نزول الكتاب كله وهوالقرآن، وعد بأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، لا الأرض بمعنى فلسطين، ولا الأرض بمعنى الكرة الأرضية، ولا الأرض بمعنى الجنة،  لا أرض النبوات التي كثر فيها الأنبياء، ولا الأرض مثل الأرض المباركة، ولا الأرض بمعنى الجنة نفسها التي يؤول إليها الصادقون، كل ذلك، قال الله عز وجل فيه : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا..}(الأنبياء : 105) هذا أمر قد كُتب وفرغ منه، ولكن الشرط دائما حاضر(عبادي الصالحون). >عبادي<، يا أيها الأحبة إن هذه اللفظة ليست عادية فتنبهوا لها جميعا- لفظة عبد الله- ليست لفظة عادية، لفظة فيها كثير من الأهمية والخطورة، فالله سبحانه حين أراد أن يمدح محمدا  سماه عبد الله {سبحان الذي أسرى بعبده}(الإسراء : 1)، كان في أعلى الدرجات فارتقى في مقام العبودية فاستحق لفظ”عبد الله” {سبحان الذي أسرى بعبده}(الإسراء : 1) ما قال برسوله، ولا قال بنبيه، بل قال بعبده،{إن الأرض يرثها عبادي} فلفظة عبادي، وليس عبيديَ أيضا فيها سر، لأن هناك العبادة بالاضطرار،  وهناك العبادة بالاختيار، وعادة لفظ”العبيد” الغالب، في بعض السياقات يذهب إلى العبادة بالاضطرار {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}(مريم : 93) ولكن العابد لله بالاختيار هوالذي جعل من نفسه عبدا، هواختار من نفسه أن يكون عبدا لله، هوعبد لله بطبيعة الحال، ولكن بمعنى الاختيار جعل نفسه عبدا لله، عبد الله هذا يجمع على العباد، على عباد الله، وعباد الرحمن، ليس وعبيد الرحمن، هذا من “العبادة” وليس من “العبدية”، دعك من كثير من التعقيدات في الشرح، ببساطة أن تجعل من نفسك عبدا لله باختيارك وانتهى الموضوع، إذا جعلت من نفسك باختيارك عبدا لله فأنت عابد لله، وأنت من هؤلاء (عبادي) الذين يرثون (يرثها عبادي) زائد شرط آخر (الصالحون) هذا مزيد من البيان وإلا فعباد الله فيها كل شيء، تماما مثل حين يقول الله سبحانه وتعالى، الله، ثم يأتي بعد ذلك بالأسماء الحسنى، وكلها مضمنة في الله سبحانه وتعالى، فعباد الله فيهم صفات كثيرة، لخص تلك الصفات هاهنا في “الصالحين” {يرثها عبادي الصالحون} فمن هم الصالحون؟ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ}(العنكبوت : 9) فالصالحون هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والباقيات الصالحات هي كل شيء، وهي جميع الأعمال، فهذا الوعد كبير وعام وكوني، لكن يحتاج إلى شرطين:

1) شرط الإيمان.

2) شرط الصلاح والأهلية.

الصلاح في هذه الأمة متمثل أساسا في إصلاحها للناس، لأنها أخرجت أساسا للناس.

ثم البشرى في الآخرة بالجنة وردت في أماكن أخرى { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}(يونس : 62- 64) وفي سورة الصف كما سمعتم جاءت البشرى {َوبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}(الصف : 13)، حين تسمعون لفظ “المؤمنين” في القرآن مستقلا عن أي شرط، فاعلموا علم اليقين أن ما سواه يدخل فيه، ما يأتي بعده كله داخل فيه، لوقال الله تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا}(سورة العصر) فقط وسكت فاعلم علم اليقين انه داخل فيها {وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}(سورة العصر) كل ذلك داخل فيه، حين يذكر الإيمان وحده فهو يشمل العمل، لأنه لا يتصور إيمان بدون عمل، إنما وقع الفصل بينهما في أذهان الناس وفي عقل المتكلمين، أي الذين اشتغلوا بصناعة التوحيد، لا بصناعة الإيمان، إذ كان رسول الله  مشتغلا بالإيمان، هويمارس الإيمان ويتكلم بالإيمان وعن الإيمان وفي أهل الإيمان، وجاء الناس بعد وتكلموا في التوحيد وتكلموا في الكلام، وبقي الكلام مع الكلام، وصارت الأمة إلى ما صارت إليه.

فالإيمان في القرآن الكريم يستلزم العمل إلزاما، يستلزم العمل الصالح، إلا أنه نظرا إلى أن الناس يحتاجون دائما إلى مزيد من البيان والتكرار… فالله سبحانه وتعالى بين ووضح حتى قطع الحجة، ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وضرب الأمثال، وقص القصص، بيَّن كل شيء {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}(النساء : 165) وضح الأمور، وأقام الحجة بالرسل باعتبارهم يعطون المثل البشري للتطبيق الشرعي، تراه أمامك ماثلا يمشي على رجليه،هاهومطبق، وتطبيقه له لا من جهة كونه رسولا، وإنما من جهة كونه بشرا، بمعنى أنه أطاق ذلك وهوبشر، لم يطبقه لأن فيه قوة خاصة جاءته وهوملك،لا، وإلا ما صار قدوة للناس {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب : 21) لأنه فعل ما يفعله البشر ويطيقه البشر، والله كلف البشر بما في وسعهم {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}(البقرة : 286).

مقاصد سنة الفَتْن والابتلاء وعلاقتها بالشدائد والبشائر

البشائر كثيرة ووعد الله عظيم للمؤمنين في أي فترة وفي أي مرحلة، ولكن تلك الوعود جميعا لا نفاد لها، ولن تكون إلا إذا وجدت شروطها وأثمنتها، عندما ندخل إلى الثمن يبتدئ المفهوم الآخر وهوالذي يبتدئ بقوله تعالى في آيات تم الكلام عنها، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الــــذين من قبلهم فليعلمن الله الــــذين صـــدقوا وليعلمن الكـــاذبين}(العنكبوت : 1- 2)، والفَتْن في العربية : وضع المعدن -الذهب أوالفضة- على النار الشديدة حتى يذوب وتطفوالشوائب فيصفى من تلك الشوائب ويبقى المعدن إما ذهبا خالصا، أوفضة خالصة. فإذن المؤمن فيه شوائب قبل تصفيته بالفتن، فالفتن ضروري وسنة ماضية، وبه يتميز الناس، الإيمان ما أشبهه بمنحة ربانية يعطاه الناس الذين أكرمهم الله بنعمة الإيمان دون سابق عمل، تصور أن أبا عنده أبناء متعددون أعطاهم دفعة واحدة مثلا قدراً من المال لكل واحد ثم قال لهم اذهبوا، تصرفوا، بعضهم نمى ذلك المال، بعضهم أكله من ليلته قامر به، بعضهم تلهّى عنه حتى سرق منه، فكذلك الناس -ولله المثل الأعلى- يمنحون الإيمان، ويمنحون القدر الضروري الذي إن نموه زكت نفوسهم ووصلوا إلى أعلى الدرجات مصداقا لقوله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} بالتزكية والتنمية، ولكن هناك ناس لا يزكون ذلك ولا ينمونه فيتناقص حتى يذهب، نسأل الله العافية، فكم من ناس كانوا مؤمنين فكفروا وارتدوا، هؤلاء كانوا حتى في زمن رسول الله ، وقع هذا، وفي كل زمان يقع هذا ويمكن أن يقع، وإن أي نعمة هي في الحقيقة في أصلها منحة،أنظر إلى قوله تعالى {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء}(النور : 21) ولذلك قال رسول الله  >اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من  زكاها أنت وليها ومولاها<(رواه مسلم) رغم أنه قال لنا{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}(الشمس : 9- 10) وأنه أعطانا نحن التصرف، ولكن التوفيق منه سبحانه وتعالى، فأي نعمة هي في أصلها منحة، وتحتاج إلى تنمية أيضا، بالتزكية،  وبالزكاة تربو النعمة وتزداد، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}(البقرة : 214) مثل الزلزلة التي تحدث عنها القرآن {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب : 11) زلزلت القلوب زلزالها من شدة الرعب، من شدة الهول، من شدة الضيق، ولكن مع  الإيمان القوي تثبت والله المثبِّت، فاللهم ثبت قلوبنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}(إبراهيم : 27).

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ} هذه التي تحدثنا عنها  أن فيها تسعاً وتسعين قسم مثل الرحمة التي رأينا نموذجا واحدا منها، والتي نحس بما لا نهاية بالتعبير الرياضي في تصوّر سعة هذه الرحمة وعظمة هذه الرحمة الموجودة في الكون الآن وهي مجرد قسمة.

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}(البقرة : 214)، {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم كذبوا جاءهم نصرنا}(يوسف : 110) اشتدي أزمة تنفرجي، فإذن سنة البلاء سنة كونية حياتية قال الله تعالى : {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}(الملك : 2) ثم أَلْحق {ليبلوكم}(الملك : 2) الفتنة ليست فقط بالحياة، بل حتى بالموت {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء : 35) نحن في البلاء فالإنسان حين يكون في عافية يظن أنه في نعمة وأنه غير مبتلى، بل هو مبتلى إذ ذاك، حين يكون مبتلى بتلك العافية هل يشكر نعمة الله أولا يشكر؟

وهاهنا نقطة أحسبها في غاية الأهمية لأن الله أسس الأمر على البلاء، وأسسه على الفتْن، وذلك الفتن على أساسه تكون الرُّتَب عند الله وتكون الرتب في الدنيا، تكون الرتب عند الله {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }(الحشر : 8) ووسام الصدق أعلى وسام، ولذلك طلب الله من جميع المؤمنين أن يكونوا مع هؤلاء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}(التوبة : 119) فنسأل الله أن يجعلنا من الصادقين ومع الصادقين بفضله وكرمه.

بصفة عامة سنة البلاء هذه التي تقوم على الفتن، والفتن الذي يؤدي إلى ميز الخبيث من الطيب، وإن في المؤمنين كما قال الصحابة بعد نزول الآية، قالوا ما كنا نظن أنه يوجد خبيث وطيب في المؤمنين {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}(آل عمران : 179)، فإذن كما عبر رسول الله  : >إنك امرؤ فيك جاهلية<(رواه البخاري) فينا جاهلية، فينا جوانب خبيثة، فينا جوانب غير صالحة، فينا خبيث وطيب، والخبث يحتاج إلى نار الفتن لحرقه في الدنيا رأفة بالمؤمن حتى لا يحرق في الآخرة، لأن كل خبيث في المؤمن بعد لقيا الله سبحانه وتعالى لا بد من أن تحرقه النار إلا أن يشاء الله شيئا بفضله وكرمه، أما السُّنة العادية أنه لا يدخل الجنة إلا من يقال له {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}(الزمر : 73) إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ولا يدخل داره دار السلام إلا الطيبون، أولئك يقال لهم {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} أما قبل أن تطيبوا فلا دخول، أما إذا وجد في المؤمن جوانب طيبة وجوانب خبيثة، فلا يخلو من أمرين:

– إما أنه في هذه الدنيا ينقى بالفتن بأشكالٍ، الله يختارها.

– وإما أنه يؤخر ذلك إلى يوم القيامة وينقى بعذاب جهنم أو بعفو الله ثم يدخل الجنة بعد.

لكن لا بد أن يطهر لا بد أن يطيب >إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا< فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الطيبين ومع الطيبين، ومن الذين يقال له {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} بفضله وكرمه.

هذا الفتن ضروري في عملية التصنيف هنا، وعملية التصنيف هنالك. إنه رحمة بالمؤمنين، تنقية لصفوفهم، وتنقية لقلوبهم، وتزكية لأرواحهم، وتقوية لهم أيضا، لأنهم كلما طابوا خفت أرواحهم فخفت أجسامهم، لأن الأشباح في يد الأرواح، لماذا يحس الإنسان بالثقل إذا طلب منه أن يجاهد بماله، أوطلب منه أن يجاهد بوقته، أويجاهد بنفسه؟ لماذا يشعر بالثقل؟ {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}(التوبة : 38) هذا الثقل سببه ما في النفس مما ليس بطيب، فالروح حين تزكو تخف وتصبح فعلا كالطائر، سهل عليها أن تطير إلى الله سبحانه عز وجل، حين قال  للأنصار >إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع< لم هذا؟ ذلك بسبب أنهم ربطوا أنفسهم بالآخرة،تكثرون عند الفزع لأن فيه البلاء، هذا مجال البلاء، مجال الفتن، فكأنهم يرغبون فيما عند الله مما تكره النفس (وحفت الجنة بالمكاره) الجنة تحيط بها المكاره من كل مكان، فهم يرغبون في ذلك، أما حين يكون الأمر أمرا دنيويا خالصا فلا طمع، وأنتم تعلمون أن العبرة بالغالب، الحكم للغالب، فيهم فلان ليس منهم، قال:   : >هم القوم لا يشقى بهم جليسهم<(رواه مسلم) وإن كان ليس بذاك، فما دام مع الأغلبية الصالحة فلا بأس، لذلك نقول اللهم اجعلنا من الصادقين ومع الصادقين، نسأل الله التوفيق.

إضافة إلى هذا فإن هذا الفتن له صورتان:

– صورة وهي أن العبد تنزل عليه البلايا نزولا.

– وصورة أنه هويطلبها، والبلايا فيها أنواع، فيها ما يطلب وفيها مالا يطلب، نحن لا نطلب المرض مثلا <إذا سألتم الله فأسالوه العافية >لا نطلب الخسارة… نوع من البلاء يطلب، وأمرنا أن نطلبه كبلاء الجهاد بجميع صوره طلب منا أن نطلبه وهوبلاء، الاستشهاد، أعلى صور الجهاد، فأن تجاهد نفسك في ذات الله، وأن تجاهد شهوتك، وأن تجاهد ولدك، وأن تجاهد تجارتك…وتجاهد وتجاهد حتى تجاهد بروحك التي بين جنبيك في سبيل الله وتعطيها راضيا في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله، إن قدمت هذا برغبة منك في ذلك، عوضك النوع الآخر، وإلا طهرت بالنوع الآخر، والله الذي يختار سبحانه وتعالى، فقد يختار من هذا وهذا، وقد يختار من هذا دون هذا {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}(القصص : 68)، لكن إن تأملنا حال الصحابة، إن تأملنا عددا من الأحوال نجد أن الإنسان بفضل الله تعالى إن صدق الله ورسوله وأخلص، ولا يكون ذلك إلا ببذل، ليس الصدق أمرا نفسيا خالصا وكفى، لا، الصدق دليله في الجهاد، دليله في الواقع، في التضحية، إن حدث ذلك الله يدفع بذلك إذاية أخرى من نوع آخر، الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أبي هريرة : >وما يزال البلاء بالعبد المؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة< حتى يطيب، يصير طيبا، يعني قد تهيأ تماما لاستقبال الملائكة له، فيقال له {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}.

خــلاصــة

فالقصد إذن أن نكون عبيدا لله بالاختيار، لا عبيدا له بالاضطرار وأن نختار نحن أن نقدم ما أعطانا هوراضين برغبة منا بدل أن ينتزع ذلك منا اضطرارا وكرها وهو يجرنا إلى الله عز وجل كما قال  >عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل<(رواه آبو داود عن أبي هريرة ]) يعني يجرنا إليه جرا، إلى رضوانه، ولكن حين لم نسارع إليه ونسارع في الخيرات، ونسابق إليها إذ ذاك جرنا إليه بطريقة أخرى، حين أراد بنا الخير سبحانه عز وجل، ولا أعلم شخصيا -وفي حدود علمي- في الصيغ التي استعملها رسول الله  في أمر الإصابة والخير لا أعلم إلا صيغتين:

– من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.

– ومن يرد الله به خيرا يصب منه.

فهما متكافئتان.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *