يا بحْرُ أمَا يكفيكَ ما فيكَ!!


أبو زيد محمد الطوسي
مع إطلالة عيد الأضحى يضحي البحر بشاب في شرخ الشباب وعنفوانه، وكأن البحر جَنَّ جنونه، فصَبّ جام غضبه على شاب طالما كـــــان يحلم بقطعه وعبوره !! في يوم من أيام الله استفاقت العائلة ومعها ساكنة الحي على خبر صـدم الكبير والصغير، وسمع صداه الأدنى والأقصى، خبر يفيد غرق ابنها -ط.ي- في البحر. خبر تصدر أحداث اليوم، وصار حديث الساعة، وهو الحدث المأساة الأول الواقع من نوعه في هذه البلدة الساكنة الهادئة المتمتعة بالأمن والسلام، والهدوء والطمأنينة. حتى جاء ما يعكر الأجواء، ويُفْسِد الوِدّ. ويبعد الداني، ويفصل الخليل عن خليله، والصديق عن صديقه، والمرء عن أهله وبلده، جاءت الهجرة السرية المشئومة بما لَها وما عليها، فعششت في العقول، وباضت وفرخت، وأكلت الأخضر واليابس، بل آلَتْ على نفسها ألاّ ترحلَ إلا برحيل أعز الشباب، وعلى رأسهم أخونا هذا، الحالمُ كما هو شأن أقرانه بالسيارة الفاخرة، والعمارة الشاهقة، جاء الخبر كالمطرقة فصَمَّ الآذان، وهدَّم البنيان، وخلف آثاراً حزينة، وجرحاً عميقاً لا يندَمِل ! لاسيما وأن هذا الشاب من الشباب الصالح، ومن الحفظة لكتاب الله، فإذا كان الموت حقّاً وحتماً لازماً لاريب فيه، ولابدّ منه، وأن أسبابه متعددة ومتنوعة، والموت واحدٌ فمن يموتُ في الدُّور كمن يموت في القصور، وعن أسباب الموت يقول بعضهم :

مَن لَمْ يَمُتْ بالسَّيْف مَاتَ بغَيْره     ***      تعدَّدَتِ الأسْبابُ والموْتُ واحد

وإذا كنا نؤمن بأن هذا قدر الله ومشيئته قال تعالى : {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله}(التغابن : 11) وقال : {لكلِّ أجلٍ كتاب}(الرعد : 38) وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإننا نؤمن أيضا بأن الفرار من قدر الله إلى قدر الله هو شيء حتميٌّ ولازمٌ، ونؤمن أيضاً بأن الرزق مقدَّرٌ، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، كما ورد في الحديث، والأرزاق مختلفةٌ، والأسبابُ متنوعةٌ، وإن تعاطي الأسباب هو شيءٌ مؤكدٌ. قال تعالى : {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}(الملك : 15) لكن الأسباب يجب أن تكو ن مشروعةً لا ممنوعةً، ومن الأسباب الممنوعة والتي نرفضها بشدة ما يُسَمَّى “الهجرة غير الشرعية” فهي مخاطرة وإلقاءٌ بالنفس إلى التهلكة. وللأسف الشديد أصبحت هذه الظاهرة الخطيرة في الآونة الأخيرة الشغل الشاغل للشباب والأسئلة التي تظل تفرض نفسها مادامت الظاهرة موجودة : ما السبب الذي أدَّى.. ويؤدي بالشباب إلى المخاطرة كي يخاطر بنفسه؟ ما الذي يجده وراء البحار ولا يجده هنا؟ ما الحل؟ والمسؤول؟ أسئلة تظلّ معلقةً مادام فقيدنا ليس هو آخر العنقود الحالم بما وراء البحار. فمسلسل الهجرة السرية لازال مبرمجاً من خلال قنواتٍ عديدة وشبكات متعددة!! أما آن الأوان بعدُ كي نسُدّ هذه الأبواب على مصراعيها؟ أما آن الأوان كي نضم هذه العقول الحالمة ونفتح لها أبواب العمل،وأبواب الأمل.. والأمل في الله.. وما ذلك على الله بعزيز…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *