الهم الجسدي في الأدب النسائي الحداثي (4)


د. صالحة الرحوني

الأدب النسواني واقتحام الخصوصية الرجولية

3- ركوب صهوة التحدي والاقتداء بالأديب المبدع الرجل:

إن الفكر الحداثي طبعا هو الذي دعا الأديبة -كما سلف الذكر- إلى التحرر من كل قيد أثناء الفعل الإبداعي… وهوالذي سوغ لها أن تطرق ما تريد وترضى من مواضيع -وبخاصة موضوعها المفضل المتمحور حول الجسد- وذلك دون الاهتمام بردود الفعل من الجميع…

لكنها أيضا تلك الرغبة في اقتفاء أثر الرجل المبدع في هذا المجال الموجودة، بل والملحة المؤثرة…

فالقضية تكمن في أن المرأة -التي حرمت لعصور بفعل التقاليد المجحفة في حق الرجل والمرأة على السواء- رامت الاقتداء بذلك الرجل الذي سبقها إلى ميدان الأدب والإبداع الأدبي، فسارت وتسير وراءه خطوة بخطوة، معتبرة أن التحدي وكسب الرهان يكمن في أن تفعل هي أيضا كل ما كان وما زال يفعله هو…

فإذا كان هو يعري المرأة في كتاباته ويعتبرها جسدا يتسلى بوصف تفاصيله ولا يجرؤ أحد على محاسبته… فلتفعل هي أيضا لأنها ليس أقل قدرة منه على فعل ذلك!

بل لتفعل ثم ليس من حق أحد أيضا أن يحاكمها، تماما كما كان عليه الأمر مع الرجل…

وإذ كان هو ينزل فكريا وشخصيا إلى المواخير والحانات من أجل تصوير أحوال أهل تلك المواقع والأماكن، ومن أجل تبرير سلوكياتهم بحقهم في التمتع بالعيش، أوحتى من أجل التدليل على حق النساء منهم في كسب لقمة العيش ببيع الجسد -الملكية الخاصة لهن- لظروف اقتصادية معينة، فلتسِر هي أيضا نفس المسار…

ولِتُورِد الحجج على المساواة الكاملة غير المشروطة الضروري توفيرها للمرأة مع الرجل في هذا المجال!!!

ثم تنسى أنها بذلك تعترف بوجود سوق النخاسة… وتكرس بيع النساء لطالبي المتع الرخيصة من الرجال المنحرفين الناشرين للمفاسد ولكل ضروب الاختلالات.

ثم إنها تنسى أيضا أو تتجاهل- أنها بذلك تكرس فكرة تشييء المرأة واحتسابها من المتاع -المسموح بحرية التعامل به ومعه- بل وتوافق عليه ذلك المنحى، وتعين حتى على نشر الوعي به…

والمشكلة أنها لا تسلم بعد ذلك من محاكمة الرجل التقليدي الفكر، الذي يستبيح لنفسه ما لا يسمح به للمرأة، لأنه هوالذي سطر بنود القوانين التي تحاكمها، والتي عبثا تحاول أن تتخلص منها…

إذ مما لا شك فيه أن ذلك الرجل الذي تصور هي عنفه تجاه المرأة، وكذا استخفافه بحقها الجسدي، وحرمانه لها من حسن التمتع بحرية الكيان المادي الخاص بها، أي ذلك الجسد، هو الذي سيحاكم إبداعها آخر الأمر… وسيُقيِّمه ويبدي رأيه فيه كمبدع -إذ سبقها إلى الميدان وله فيه اليد الطولى والتأثير الغالب الكاسح- لكنه سيفعل كرجل طبعا وليس كمبدع وأديب…بل وكرجل ابن بيئته التي لا يمكن أن ينفك عنها، إذ لا بد وأن الفكر التقليدي قد بصم عقله وحناياه…

إذ أنه مهما ابتعد عن الدين والتدين، ومهما اعتنق من إيديولوجيات “مُحرِّرَة” كالاشتراكية والحداثة والأممية حتى… وهلم جرا… لا بد أن يبقى الرجل العربي الموسوم بـ”المحافظة” التقاليدية، والتي تقتضي الحفاظ على الإناث من الأسرة والعائلة من التفلت، وكذلك من سوء نوايا الغير ومن اعتداءاتهم ومن تحرشاتهم…

ولذا فبالرغم من أنه قد يوجد من” المبدعين” الحداثيين التقدميين في واقعنا من يصفق للإبداعات النسوية التي تتغنى بالجسد وبحرية استعماله، ويعلن تضامنه مع مُنتِجاتها من الحداثيات، إلا أنه لا بد أن يزدري في أغوار نفسه سلوك أولائك المبدعات اللواتي حتما يعتبرهن منحرفات ماجنات، بل هوحتى في غالب الأحيان قد يحاول استغلال تلك الأفكار التحررية”المؤمن بها من طرفهن حتى يأخذ حقه من أجسادهن “المحررة” المبذولة المبتذلة المشاعة.

إذ كثيرا ما يوجد من يكتب فسقا ويصور فجورا في أعماله الأدبية، ثم لا يمكن أن يقبل هو  أن تفعل زوجته المبدعة الفعل ذاته… ولا أن تكتب وفق المنحى الذي يسلكه…

إذ أنه لا يضمن أنه لا يكون هنالك من سيتحدث بأنها قد عاشت تلك التجارب الجسدية، أو أنها على الأقل تتحرق لكي تتمتع بها…أوأنه هو -وذلك على الأقل- ذلك الزوج غير المقنع والمشبع جسديا ولا المرضي عنه!!!

وهذا ما لا يرضاه المبدع العربي مهما تخلص من ربق الدين… ومهما “تعصرن”… وإلى أي حد ما تضمخ بـ”نور” الحداثة وتعطر ب”أريج” الحضارة والتقدم!!!

والحل -لكي تُتَفادى هذه الانزلاقات- يكمن في أن تتبنى المرأة مسارا خاصا في التعبير الأدبي يعبر عن خصوصياتها، وذلك دون أن تمتح مما يفعله الرجل في هذا الميدان، ودون أن تتوسل الوسائل التي اختارها… ولتترك المسار الإبداعي ينساب بعفوية وبفطرية دونما تكلف ولا اقتداء، ولا حتى استعداء ولا شجار ولا تنافس، بل بتكامل وتعاون وتفاهم وتلاقح أفكار…

فلتكن هي هي، ولتعبر عما يعنيها ويخصها ككيان له مقوماته ومعاييره ومميزاته، وعما تريد أن تعبر عنه بحرية مع اعتبار لحيثيات الواقع المعيش، دونما تحد ولا استفزاز، بل برغبة أكيدة في التواصل وإسماع الصوت، ومع استحضار هم تصحيح مسار علاقات بينها وبين المجتمع ككل، ثم بينها وبين الشقيق في الأحكام، كانت وما زالت تلك العلاقات يشوبها الغبش، ويلطخها سوء الفهم، وتحطم وشائجها التقاليد البعيدة عن الدين…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *