من النساء الرائدات – مـالـكـة الـفـاسية (3)


قوة في الشخصية، وأخلاق عالية، وجهود في إشراك المرأة المغربية

فــي النهضة القـومية والحيـاة السيـاسية

مشهد رائع لن أنساه!

وأذكر أنه في نفس اليوم، يوم وصولنا، كان هناك مهرجان خطابي كبير أقامته جبهة التحرير الجزائرية في ملعب الفتح بالرباط حضره كثير من رجال الحركة الوطنية المغربية.

وكان مخططا عند الأخوات أن نحضر ذلك المهرجان، وفعلا حضرناه، وبعد أن أخذنا أماكننا في المدرج لنستمع الخطب والأناشيد الحماسية، فاجأتني الأخت العزيزة لطيفة الفلوس بطلبها بأن أشارك في المهرجان بكلمة.. حاولت الاعتذار بوعثاء السفر، ولكنها أصرت، فأذعنت، وارتجلت كلمة أحي فيها الثورة الجزائرية وبطولات أبنائها، وقد صفق الجمهور كثيرا، وتلقيت الشكر من الحاضرين، وأقول اليوم إن الاحتكاك بالثورة الجزائرية والإسهام فيها لم يكن غريباً علي، فتطوان كا نت مركزاً رئيسيا للثورة الجزائرية، وقد ساهمتُ في كثير من أنشطتها : كتابة وإذاعة وماديا أيضا. وهذا موضوع آخر، وربما تُسعف الأيام لأتحدث عنه بالتفصيل.

ثم توالت الزيارات والاتصالات والاستضافات البرمكية المعروفة عن أهل الرباط.

ومن بين الزيارات التي لا تنسى، تلك التي نظمت لنا لمدرسة النهضة بسلا، بمناسبة احتفالها بانتهاء السنة الدراسية وهناك سيسعدني الحظ بالتعرف على شخصية فذة، إنه المجاهد الكبير أستاذنا سيدي أبو بكر القادري البقية الصالحة من الموقعين على وثيقة الاستقلال.

قدمتني إليه فقيدتنا أحسن تقديم.

شيء رائع أن تجد نفسك ولأول مرة، مع ثلة من الرجال الأحرار، الذين أبلوا البلاء الحسن أيام الكفاح الوطني، تتحدث إليهم، وتتبرك بمصافحتهم، وتقرأ في وجوههم السمحة التاريخ الحيّ لهذه الأمة.

ذلك كان شأني وشعوري في ذلك اليوم البعيد، وأنا ألتقي بالصفوة من رجال بلادي.

وفي مدرسة النهضة ارتجلت كلمة بالمناسبة..

وختمت زيارتنا للرباط باستقبالنا من طرف الأميرة عائشة كريمة محمد الخامس، وذلك في القصر الملكي العامر بالرباط.

وأمامها ألقيت كلمة عبرت فيها عن سعادتنا : أستاذات وطالبات، بلقاء زعيمة النهضة النسائية.

وقد كان اللقاء بالأميرة عائشة من أماني عمري، وستسعدني الأيام بعد ذلك، بمرافقة هذه الأميرة الرائعة كعضو في الوفد الذي ترأسته لحضور مؤتمر الاتحاد النسائي العربي الذي أقيم بدمشق.

بعد ذلك غادرنا الرباط إلى مدن أخرى ضمن برنامج آخر، وتنظيم آ خر.. كان المنسق فيه -وخاصة الدار البيضاء- العلامة المختار السوسي.

وعدنا إلى تطوان بأجمل ذكرى.

ويأتي اللقاء الثالث وسيكون حاسما،

فقد عين الأستاذ إبراهيم الألغى مستشارا بالمجلس الأعلى للنقض والإبرام، فانتقلنا إلى العاصمة الرباط للإقامة بها نهائيا..

ومرة أخرى أزف الخبر إلى الفقيدة، فيأتيني جوابها طافحا بالآمال في أن تتاح لنا الفرصة للعمل سويا لمصحلة الوطن المستقل.

وهنا في هذه المدينة الرائعة الرباط أخت قرطبة الإسلامية بلا جدال، تبدأ مرحلة من أعز مراحل عمري..

فلم يدر بخلدي يوم اطلعت لأول مرة على كتابات “باحثة الحاضرة” أنني سأقيم بالرباط، وأعيش بالقرب منها، ونشترك معا في عمل اجتماعي لصالح الناشئة المغربية..

هذه نظرة سريعة عن ظروف لقائي بالراحلة، ظروف مهدت للقاء سيستمر إلى آخر يوم من حياتها..

في هذا اللقاء الأخير، أي في مرحلة إقامتي بالرباط، سأتعرف بعمق على هذه الشخصية، الظاهرة..

فأنا أمام شخصية غير عادية، أقول هذا عن معرفة واقتناع..

وأعتز بأنني طيلة هذه المدة التي رافقتها فيها كنت أوفى صديقاتها، كانت بدورها تقدر ذلك أحسن تقدير، فمحضتني ودها الصافي وصداقتها المثالية، ولم يحدث بيننا قط ما يمكن أن يعكر صفو هذه الصداقة التي كانت لله، وما كان لله دام واتصل..

وبناء على الأحاديث واللقاءات التي كانت تجري بيننا فإنه يمكن تقسيم مراحل حياتنا إلى أربعة مراحل :

1- مرحلة النشأة والتكوين في مدينتها فاس العامرة، هناك تلقت تعليمها، أولا على يد الفقيهة، ثم على يد نخبة من العلماء في منزل العائلة، فأتقنت اللغة العربية وتمكنت منها، وحفظت الشيء الكثير من الشعر العربي القديم، كما تلقت دروسا في الفرنسية.

2- مرحلة النضال من أجل انتشال المرأة من وهدة الجهل، وتوعيتها بمختلف الأساليب الناجعة، ومنها الحفلات المدرسية والمسرحيات الهادفة وكانت هي مؤلفة هذه المسرحيات.. وفي هذه المرحلة بدأت تنشر مقالاتها باسم “الفتاة” في مجلة “المغرب” سنة 1935، ثم تابعت نشر أبحاثها في المجلات المغربية تحت اسم “باحثة الحاضرة”.

ولأن قضية تعليم البنات كانت قضيتها ُفإنها اغتنمت وجود زوجها على إدارة جامعة القرويين فكونت وفدا من النساء قام بزيارة المغفور له محمد الخامس ملتمسا منه الأمر بفتح فرع خاص بالطالبات بالقرويين، وقد أمر جلالته بفتح هذا الفرع.. فكانت بعملها هذا وراء فتح هذا الفرع..

وفي سنة 1957 تخرج أول فوج من العالمات خريجات جامعة القرويين وقد أسدين بعد ذلك الكثير لوطنهن في حقل التربية والتعليم.

ويكفينا فخراً بهؤلاء العالمات الرائدات، أن إ حداهن، وهي الأخت العزيزة السيدة فاطمة القباج، تتبوأ اليوم عن جدارة، مقعدها في المجلس العلمي الأعلى بالرباط كعضو فيه..

ثم تابعت الفقيدة نضالها من أجل المرأة، موسعة دائرة هذا النضال، ليشمل الميدان السياسي، فنراها في أحد التجمعات، تقول عنه جريدة الأمة التي كانت تصدر بتطوان، وتحمل تاريخ 12 ديسمبر 1955 تحت عنوان : المرأة المغربية تشارك في النهضة القومية، ما يلي :

“ووقفت السيدة مالكة الفاسية زوجة الأستاذ محمد الفاسي وزير التعليم والفنون الجميلة، وتقدمت باقتراح، وافق عليه المؤتمر وهو يتعلق بطلب تمثيل المرأة في المجلس الاستشاري للدولة، ومشاركتها في الانتخابات العامة كناخبة و مرشحة< انتهى كلام الجريدة.

كان هذا بمناسبة اجتماع المجلس الوطني لحزب الاستقلال بفاس وقد حضره ألف وثلاثمائة من الأفراد.

ونشرت الجريدة صورة لمالكة الفاسية وهي تلقي كلمتها.

دة. آمينة اللوه

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *