مجرد رأي – مؤتمر أنا – بوليس


… لقد بلغ مستوى الاستخفاف بهذه الأمة والإمعان في احتقارها وإذلالها شأوا عظيما لم يعرف له تاريخ الأمة مثيلا حتى في أحلك فتراتها التاريخية.

وما سقطت الأمة إلى هذا المستوى من الإهانة والاستخفاف إلاّ بضعف قاداتها ومفكريها وعلمائها وذوي الرأي فيها دون أن نغفل شعوبها بطبيعة الحال. فمسؤولية هذه الشعوب لا تقل عن مسؤولية الآخرين في هذا الإذلال إلاّ أنها من نتاج وصناعة سياسات هؤلاء المسؤولين وأفكار واجتهادات هؤلاء العلماء والمفكرين وذوي الرأي.

وبالتالي فالكل مسؤول وإن بدرجات متفاوتة.. فلولا إستكانة الشعوب وهوانهم على الناس لما استطاع أحد أن يملأها بالأفكار الهدامة والتنظيرات المستوردة والثقافات التافهة والأفكار والاجتهادات العدمية.. والقرآن الكريم إذ يوضح لنا هذه الحقيقة من خلال قصة فرعون وقومه، يُبين لنا أن استكبار فرعون لم يأت من فراغ وإنما جاء نتيجة حتمية لاحتقار قومه والاستخفاف بعقولهم وبالتالي استعبادهم وسلب إرادتهم {فاستخف قومه فأطاعوه} إذاك أعلن {أنا ربكم الأعلى}. وفرض عليهم منهاجه في تسيير حياتهم : {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}.

أعلن ألوهيته وفرض تصوراته بعدما تأكد أن القوم قد أصبحوا طوع بنانه يسيرهم ويفعل بهم ما يشاء كقطيع من الأغنام الوديعة…

إن ما يقع للأمة من إذلال واستخفاف على يد الاستكبار العالمي الأمريكو-اسرائيلي لشبيه إلى حد كبير بقصة فرعون مع قومه…

فيبدو أن الأمة بجميع مكوناتها؛ حكاما وأفراداً وشعوبا وجمعيات وأحزابا سياسية لم تعد ترى إلا ما يراه لها أعداؤها ولا يأتمرون إلا بأوامرهم ولا ينتهون إلا بنواهيهم ضدا عن مصالحهم الخاصة وضداً عن استقرار بلدانهم ومستقبل أجيالهم..

فلا غرو إذن -والحالة هاته- أن يُصبح مستقبل الأمة مرهونا للأبناك الدولية والشركات العملاقة، وماضيها مستعمراً، أما حاضرها فلا تملكه وحريتها في تحريك دواليب تسييره مقيدة باتفاقيات ومواثيق مُجحفة وشرائع ما أنزل الله بها من سلطان تطاع وتحترم وكل من حالفها فهو مارق وإرهابي وخارج عن القانون يوضع في اللوائح السوداء ويتابع ويسلم لأجهزة الأمن الدولية ليساق أمام محاكم دولية فُصِّلت لهذا الغرض تُفني من تشاء وتُحيي من تشاء وتُجرّم من تشاء وتُبرئ من تشاء، بيدها الحل وهي على كل شيء قديرة وبالاستجابة جديرة ولا رادّ لحكمها!! (أستغفر الله).

… للتدليل على هذا الكلام الكبير لا تعوزنا الأمثلة والوقائع، ولو أطلقت العنان لقلمي وجرحي لما وسعتني صفحات هذه الجريدة المحترمة، فالرقعة قد اتسعت على الراقع ومع ذلك فما لا يدرك كله لا يترك جله كما يقول العرب -ولهم الفضل والمنة فلم يفلحوا إلا في الأقوال، حتى أنهم لم يتركوا لنا شيئا إلا وقالوا فيه قولا أو شعراً أو حكما فلا فُضت أفواههم، ولكن كم نحتاج اليوم إلى أعمالهم وشهامتهم!!

فالظن عندي أن من أفظع وأقذع صور الإذلال والامتهان الذي تتعرض له الأمة هذه الأيام على أيدي جلاديها ومساعدة أو مباركة -ذويها في أحسن الأحوال- هو صور الامتهان والاحتقار الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة جزاءً له على اختيار حركة حماس كحكومة دستورية له وفق قوانين الديموقراطية والشرعية الدولية التي يتغنون بها صباح مساء.. شعب قوامه مليون ونصف من أبناء فلسطين في قطاع غزة يُسامون سوء العذاب، مكبلين إلى الأذقان في سلسلة ذرعها السماوات والأرض من الذل والهوان والتجويع، وتجريف الأراضي وتهديم البيوت على رؤوس سكانها من النساء والأطفال والشيوخ علاوة على المداهمات والاعتقالات والاغتيالات..

< كل هذا يقع ورئيس السلطة الفلسطينية ومجموعته يضحكون ويتعانقون ويتبادلون المجاملات البلهاء في مؤتمر أنا بوليس كما يتحاورون ويتسامرون وراء الأبواب المغلقة مع جلاديهم ومن يسومون شعبهم الذل و الهوان منذ أزيد من نصف قرن…

< كل هذا يقع والحكومة المصرية تشتغل حارسا خاصا ووفيا جداً لإسرائيل على معبر رفح لمنع مرور الأغذية والأدوية وحتى لا تقول الأسلحة للمرضى والجوعى من أبناء غزة.

< كل هذا يقع والأبناك العربية العامرة ما شاء الله تمتنع عن تحويل الأموال المستحقة للحكومة الفلسطينية المحاصرة في غزة..

< كل هذا يقع ومئات الحجاج الفلسطينيين محاصرين في العبارات المصرية ولم يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم إلا بعد التوقيع على وثيقة ضرار تمكنهم من العودة إلى ديارهم ولكن عبر معبر آخر غير الذي خرجوا منه وخاضع للأمن الإسرائيلي حتى تتمكن إسرائيل من توقيف المطلوبين لديها من شباب المقاومة الإسلامية..

ولعل الكل شاهد عبر العديد من القنوات الفضائية العالمية جموع الحجاج الفلسطينيين وهم يجأرون في صلاتهم لله بالدعاء أنيخلصهم مما هم فيه من مسغبة ويُعيدهم إلى ذويهم سالمين…

يقع كل هذا كما وقع غيره الكثير والكثير لأن البعض ارتضى لنفسه أن يلعب دور الشرطي والحارس الأمني الخاص لأعداء شعوبهم وارتضى أن يكون أمريكيا وإسرائيليا أكثر من الأمريكان والإسرائيلين أنفسهم.

وقال صراحة « أنا-بوليس » في مؤتمره أنابوليس الأخير …..

> ملحوظة :

يقال والله أعلم والعهدة على الراوي أن مدينة أنابوليس في الماضي كانت عبارة عن مخيم يضم مستشفى سمي وقتها بمستشفى « التوبة » كان يعالج فيه جرحى الجيوش الجنوبية المهزومة في حرب الجنوبيين والشماليين حول استخدام العبيد في حقول القطن بالجنوب. فكان جرحى الجنوبيين المنهزمين في الحرب يعالجون في مستشفى « التوبة » هذا.

فهل هي صدفة أن يعقد مؤتمر صلح مع اسرائيل في أنابوليس أم هي الحرب والخدعة والمكيدة لكن هذا مجرد رأي!!!

ذ. عبد القادر الوكيلي

 

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *