استعمالات اللغة العربية الجديدة إلى أين؟ 2- الوجود غير التواجد


أشرنا في العدد الماضي إلى ما يقع من تحريف للمفاهيم اللغوية نتيجة ا لجهل بقواعد اللغة العربية، وسوء استعمال بعض الصيغ التصريفية مكان أخرى على اعتبار أنها تفيد معناها، والأمر ليس كذلك، ذلك آن دلالات الكلمة تتنوع من صيغة إلى أخرى حسب تغيّر شكل الصيغة بالحركات أو السكنات، أو بالزيادة على البنية التي هي الأصل الذي تتفرع عنه فروع، فثمة البنية وهو الأصل المشترك وهناك الصيغة التي تمثل فرعاً من فروع البنية يقول الكفوي معرفاً البنية والصيغة : >الصيغة هي الهيئة العارضة للفظ باعتبار الحركات والسكنات، وتقديم بعض الحروف على بعض وهي صورة الكلمة والحروف مادتها. والأبنية : هي الحروف مع الحركات والسكنات المخصوصة..<(الكليات 560).

إن الاشتراك في الأصل أي البنية لا يضمن تطابق معاني الفروع التي هي الصيغ. وقد رأينا في العدد الماضي أن >التخليق< غير >الأخلاق< رغم اشتقاقهما من الأصل الواحد الذي هو >خ ل ق< وهكذا سنرى في هذه المقالة أن >التواجد< لا يعني >الوجود< مع العلم أن الاستعمالات الحديثة تسمح بذلك. هذا وأن المادة الأصل >و ج د< لهذين المفهومين >الوجود< و>التواجد< غنية جداً بما يتفرع عنها من المعاني إمّا بتغير حركة فقط من حركات الأصل >و ج د< أو بالزيادة على الأصل أو غير ذلك كاختلاف المصادر كما يتضح في المثالين التالين :

1- يقول الرازي : >وَجَد مطلوبه يجِده بالكسر وُجوداً<(مختار الصحاح 709).

2- ويقول الفيومي : >ووجِدت به في الحزن وجْداً بالفتح..<(المصباح المنير 334). نلاحظ أن تغيير حركة الجيم بين الفتح والكسر يغير المعنى، وكذلك يتغير معنى (وجَد) بفتح الجيم باعتبار ما ياتي بعده من المفعولات أو ما يقوم مقامها من المجرورات إذا كان الفعل لازما، ومن ثم يتم تحديد دلالات ما يترتب عن ذلك من المصادر مثل >الوجود> أو >الوِجدان< أو >الموْجدة< وكمثال على هذا يقول الفيومي : >وجَدْت الضالة أجدها وِجداناً< و>وَجَدْت في المال وُجداً< بالضم.. ووَجَدْت عليه >مُوْجدة< غضبت<(المصباح المنير 334).

وعليه إذا كانت المعاني تتنوع بناء على تغيير حركة الفعل >وجد< أو باعتبار ما يليه من الأسماء أو الحروف، فمن باب الأولى أن يختلف معنى >الوجود< عن معنى >التواجد< إذ أن كل واحد منهما مزيد عن الأصل (فالوجود) مزيد يحرف الواو عن الأصل >وجد< والتواجد مزيد بحرفين هما >التاء> والألف، ومن ثم تكون لكل منهما دلالته الخاصة المتميزة كما أن له صيغته المتميزة فالوجود على وزن >فُعُول< مثل >قُعود< و>سُكون< و>جُلُوس< و>صُمود< والتواجد على وزن تفاعل، مثل التخاصم، والتنابز والتقاعد. هكذا نلاحظ أن كل صيغة تستقل بمعنى عام أو أكثر يمكن أن تنضوي تحت ذلك المعنى العام معاني فرعية تمت إليه بصلة فالسكون، والجلوس.. تشترك في كونها ترمز إلى وصف الفاعل الموصوف بها بملازمة الحدث له لفترة من الزمن، والتخاصم، والتنابز.. تشترك في كون الحدث يشترك فيه أكثر من اثنين، وعليه يتضح أن دلالة تواجد غير دلالة الوجود، فما معنى الوجود وما معنى التواجد؟ أولا الوجود : يقول الرازي : >وجَدَ مطلوبه يَجِدُه وُجوداً<(مختار الصحاح). ويقول الفيومي : وجدته أجِدُهُ وِجداناً بالكسر ووُجوداً… وَجدةً أيضا، وأنا واجد للشيء قادرٌ عليه وهو موْجُود مقدورٌ عليه.. والوَجود : خلاف العدم..< المصباح المنير). وعليه فالوجود يعني أن ثمة شيئا في مكان مّا يمكن إدراكه بحاسة من حواس الإدراك عند الإنسان ولذا يقول الكفوي : >والتحقق، والوجود، والحصول، والثبوت، والكون كلها ألفاظ مترادفة<(الكليات 296)، ولذا فعندما نريد أن نقول إن شيئا ما في مكان معين نقول إنه موجود في ذلك المكان. وصيغة فُعُول تقتضي أن ذلك الشيء المتحدث عنه يوجد في ذلك المكان لفترة من الزمن تسمح بوصفه بتلك الصفة كالجلوس الذي هو حركة جسم الإنسان من أعلى إلى أسفل بشكل معين، بحيث تطوى حركة المفاصل بشكل معين حتى يطمئن الإنسان في مقعده. ولا يمكن أن نقول في حق شخص ما سكت سكوتاً، ما لم تعط فترة زمنية يسمح فيها بانقطاع الصوت الذي أريد تسكينه، وتختلف المدة باختلاف الفاعل الموصوف. ثانيا التواجد : لأجل ضبط دلالة هذه الكلمة ينبغي ضبط الوظائف الدلالية لصيغة >تفاعل< أولا لأجل عرض دلالة >تواجد< عليها لمعرفة أي منها تتطابق معه، ومن هذه الوظائف أي وظائف، (تفاعل) باختصار ما يلي :

1) المشاركة بين اثنين فصاعداً في الفعل مثل تخاصم، وتسابق، وتقاسم.

2) استعظام فعل الفاعل : مثل تعاظم وتبارك.

3) حدوث الفعل شيئا فشيئا بالتدرج مثل توارى.

4) تظاهر الفاعل بحالة ليس هو فيها مثل تعَامى، وتعاشى، وتمَاهَلَ.. ولا يبدو أن التواجد ينسجم في معناه مع أي معنى من المعاني الأربعة أعلاه، وعليه يمكن القول بأنه ذو دلالة خاصة غير ماذكر مما يفيد أن صيغة تفاعل غنية بوظائفها الدلالية المتنوعة يقول الزمخشري : >وُجد الشيء وُجُوداً خلاف عُدم< وَوُجد بها وتوجَّد وله بها وَجْدٌ وهو المحبة. وتوَاجد فلان أرى من نفسه الوَجْد..(أساس البلاغة) وفي المعجم الوسيط : >وجَدَ فلان يَجِد وجْداً : حزن..<(1013/2).

هكذا نلاحظ أن التواجد يعني الوجْد، وهو ماتفسره عبارة الزمخشري أعلاه وكذا المعجم الوسيط >أرى من نفسه الوَجْد< والوجْدُ الذي فسر به التواجد يعني أحد أمرين : >المحبة< كما جاء عند الزمخشري أو الحزن كما في المعجم الوسيط. وعليه فعندما نقول عن شيء ما متواجد فإن ذلك يعني في العربية أنه محب أو حزين، ولا يعني الوجود بحال. والله أعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

د. الحسين كنوان

 

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *