إنــهــا قضيّتنا


إن الشعر، والأدب الإسلامي المعاصر عموماً، اتخذ موقفه، وقال كلمته في كثير من القضايا والمعضلات الراهنة، بل إنه أعاد القول في بعضها فيما وضعه على حافة التكرار، لكنه لم يحاول أن يتوقف -الاّ نادراً- عند مسائل لا تقل أهمية وخطورة، بل لا تقل قدرة على إثارة الاستجابة الفنية بما تملكه من شحنات ونقاط توتر أنساني قد تبلغ حدّ المأساة.

لقد كان وضع السود في العالم -وليس في أفريقيا وحدها بطبيعة الحال- واحداً من أكثر ممارسات الغربيّ المتفوّق إثارة واستفزازاً.

إنه تناقض من الطول إلى الطول بين ما تطرحه الرؤية الإسلامية لموقع الإنسان في العالم، حيث يقف الجميع أمام الله سواسية كأسنان المشط، لا تفصلهم طبقة عن طبقة، ولا يميزّهم لون عن لون، وبين هذه الواقعة المبهظة التي دفعت بهذا الإنسان أو ذاك وبهذه الفئة أو تلك إلى الخّط الثاني والثالث، وربما العشرين، حيث يكون الاستعباد، وحيث يباع الإنسان ويشترى بالأشياء وكالأشياء، لا لشيء إلاّ لأنه خلق هكذا : أسود اللون، أو بعبارة أكثر صراحة، لأنه خلق يحمل قشرة تختلف درجتها اللونية عن سائر الناس!

لقد كان الإيمان دائماً هو الحرية، والتوحد المطلق في التوجه إلى الله جلّ في علاه هو الحرية كذلك.. وكان بلال الحبشي الأسود هو سيد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لأنه لأمر أراده رسول الله  تولى كبر المهمة : رفع النداء الأبدي الذي يضع الناس جميعاً قبالة الله سبحانه.. يحرّرهم أمام الله.

ليس في خارطة الحركة النبوية أية صدفة على الإطلاق.. كل شيء يتحرك وفق تصوّر مرسوم.. والهدف وأضح : هو تحقيق كلمة الله في الأرض.

إن بلال الحبشي يسكن فينا جميعاً، يتحرك لكي يرفع صوته النديّ، المؤمن، المحرّر، عند كل نداء، قبالة ألفٍ من محاولات الردّة التي تفتك بالإنسان، تريده أن يرجع إلى عصور الاستعّباد والمهانة والاحتقار.. أن يتجاوز موقع الكرامة والتفرّد الذي أراده له الله، فيكون اللون، من بين عشرات من عوامل الشدّ الأخرى، عاملاً لشطر البشرية نصفين، وتقسيمهم إلى فوق ودون.

إنها قضيتنا إذن.. قضية أدبنا الإيماني الواقف إلى جانب الإنسان في مواجهة كل محاولات الغش والتدليس والزيف التي تجد في لون القشرة مبرراً، وطريقاً للمرور إلى أهدافها المضادة للإنسان.

وإذا كان اليكس هيلي قد استطاع في (الجذور) أن يهزّ مشاعر الناس ويستقطب اهتمامهم صوب القضية، رغم أن عمله أقرب ما يكون إلى ترجمة أو سيرة ذاتية بعيدة إلى حد ما عن دائرة الإبداع المؤثرّ الجميل، فإن العمل الأدبي : القصيدة أو القصة أو المسرحية أو الرواية، لقديرة بما تملكه من إمكانات إبداعية على أن تسند هذا العمل وأن تمضي به أشواطاً أخرى إلى الأمام.

إننا نجد أدباء ما يسمى باليسار يلتزمون منذ عقود عديدة قضية السود.. والأديب الزنجي نفسه يلتزّم قضيتّه في إطارها الوطني، أو العرقي المحدود، وهذا أمرّ طبيعي ما دام أن بني جلدته هم المعنيون بالقهر والاستعباد.. لكننا بموازاة هذا وذاك يجب أن نرفع صوتنا الإسلامي لصالح الملونين في العالم، كامتداد للموقف الإسلامي ازاء المظلومين أيا كانوا وأينما كانوا، وأن نقف في صفّهم..

ذلك أن الإسلام هو قبل اليسار وبعده، وقبل الوطنية والعرقية وبعدهما، كان وسيظل الصوت الأكثر وضوحاً وامتداداً، والأعمق أصالة، والأشد إلحاحاً على ما يعتبره ضرورة من ضرورات الحياة البشرية على الأرض : أن يعيش الناس كافة متساوين كأسنان المشط لا يفرقهم لون أو طبقة أو نسب.. لا يفرّقهم إلا عملهم وحده.. وألاّ يسمّح البتة للعبث بمكانة الإنسان في الأرض وتفردّه على العالمين.

فمن أجل التحققّ بالتوازي المطلوب بين أدبنا الإسلامي وقضايانا الملحّة، ومن أجل  الإعلان عن هذه الحقائق ” الموضوعية ” كافة، كان لابدّ للإبداع أن يمضي لكي يتحدث عن الملونين  ويحكي عن أوجاعهم، ويبث همومهم وأحزانهم، ويعدهم بالغد المرتجى حيث لا تستطيع قوة في الأرض، الا هذا الدين، أن تستجيب لأشواقهم وأن تمنحهم مكانهم المشروع على خارطة العالم، حيث يجد المرء نفسه مضطراً لأن يتذكر كيف أنهم في ظل الإسلام أقاموا دولاً وثقافات دفعت بأفريقيا خطوات واسعة إلى الأمام.

أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *