آيات ومواقف – {رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت}


قال تعالى : {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}

لا تنس أن لكل بداية نهاية، وأن لكل انطلاقة سير نقطة وصول! فمتى بدأت مسيرتك؟ أنا على يقين أنك تعرف التاريخ بالضبط، والمكان بالتحديد، لأنك انطلقت تمخر عباب هذه الدنيا في اللحظة التي ولدت فيها، لكن متى ستصل إلى محطتك المجهولة المعلومة الحاسمة؟ الله أعلم.

إنها محطة تعرفها كأنك تراها رأي العين، محطة النهاية، مكتوب عليها >الموت< {كل نفس ذائقة الموت} {كل من عليها فان} {كل شيء هالك إلا وجهه} لكنها مجهولة الزمان، مجهولة المكان {لا تاتيكم إلا بغتة} {وما تدري نفس بأي أرض تموت}.

مما يفرض عليك أن تكون دائما على أهبة الاستعداد مستعداً للرحيل إلى حيث الرحيل.. إلى هناك…

إلى الحياة نعم إلى الحياة. لأن هذه أشبه ما تكون بالأوهام والأحلام، لا بل هي أحلام فعلا.. سرعان ما يفيق منها الغافل، ويستيقظ منها النائم، ويصحو منها السكران والمجنون {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} فاستعد إذن.. وإياك أن تنس الموعد..

وإن هذه المحطة ليست مجهولة الزمان والمكان إلا بالنسبة إليك.. أما عند الله فهي معلومة بالساعة والدقيقة والثانية وجزء المائة.. والمكان معلوم عند الله سبحانه بالدقة المتناهية {لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}(الرعد : 40).

وإن هذه المحطة محطة حاسمة، تفصل بين مرحلتين مختلفتين تماما، مرحلة العمل ومرحلة الجزاء، بها ينتهي كل شيء، ويبدأ كل شيء.

إي والله، تنتهي كل أمور الدنيا بما يُعمل فيها من خير أو شر، تنتهي بما فيها من طاعة أو معصية، تنتهي بما فيها من ربح أو خسارة.. لقد انتهت هذه المرحلة!! وستبدأ مرحلة أخرى، هي امتداد للأولى، ونتيجة لها… ومرآة تنعكس فيها أعمال ستين أو سبعين عاما، أو أقل أو أكثر هي مدة الزمن الذي قضيته فيها.

الآن طرق بابك المكلف بالترحيل ودخل، لا تنس أنه لا يستأذن، ولا يعطي فرصة ثانية أو ثالثة، وأنت الآن مقبل على مسيرتك الجديدة، وأول مرحلة سينقلونك إليها، وينزلونك فيها هي القبر، فهل أنت على استعداد الآن؟! أم ستطلب التأخير؟!

لاتنس أننا اتفقنا على أن التأخير غير مسموح به، وأنك إن تأخرت عن إعداد الزاد لا تقبل منك شكاية، وستؤخذ في رحلتك هذه أخذا، لأن الآمر هو الله سبحانه، والمنفذ هو ملك الموت ومن معه من إخوانه…

هنا يفترق الناس! هنا يظهر الرجال! هنا تتميز المعادن، هنا يُقبل الصالحون، ويدبر الآخرون..

فمن أي الفريقين أنت؟ تذكر أن هناك أقواما يرددون في هذه اللحظة الحاسمة دعاء غير مستجاب، ويتمنون أن يمنحوا لحظة للمتاب، ولكن هيهات هيهات، فقد آن الأوان..

أما الربيع بن خيثم فقد كانت له استرايتجية خاصة، و”تكتيك” عجيب في الاستعداد لهذه المحطة، وتنبيه النفس حتى لا تقع في الغفلة، فترسب في أول امتحان، وتسقط في بداية الاختبار.

ذلك أنه كان قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع ومكث ما شاء الله ثم يقول : >{رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت}، يرددها ثم يرد على نفسه : يا ربيع قد ربّعتك، فيقوم فيُرى ذلك فيه<(1) هكذا هم الصالحون، بداية سعيدة، ونهاية حميدة، وسلامة النهايات تدل على صحة البدايات، فاللهم رحماك يارب آمين.

امحمد العمراوي

———–

1- سنن الصالحين، وسنن العابدين : 791/2.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *