من النساء الرائدات – مـالـكـة الـفـاسية(2)


غيرة على الوطن وجهود جليلة من أجل تعليم الفتاة المغربية

أمطرتها بوابل من أسئلتي فكانت تجيبني عنها برحابة صدر.

حدثتها عن الإلغي، وأنه هو الذي رسم لي الطريق لمعانقة أفكارها وطموحاتها، فإذا بها تحدثني عنه باستفاضة، وعن الصداقة التي تجمعها هي وزوجها بشقيق الإلغي، العلامة المختار السوسي، وأن هذه الصداقة توطدت وزادت متانة في معتقل الصحراء الذي زج فيه الفرنسيون معظم الوطنيين، استعدادا لنفي ملك البلاد..

أعجبت بحديثها وبأفكارها، ووجدتني أمام شخصية رائعة ومحدثة لبقة مع اطلاع واسع بالأحداث التي مرت بالمغرب.

وأثناء حواري معها، لمعت في ذهني فكرة، فكرة التسبت بهذه الفاسية الفريدة من نوعها، ومرافقتها أكبر وقت ممكن، وقلت في نفسي : لن أدعها بعد اليوم تفلت مني، فليكن هذا اللقاء ممتدا إلى ما شاء الله..

فعرضت عليها زيارة مدرسة المعلمات ومدرسة خديجة أم المومنين الثانوية، فقبلت الدعوة بابتهاج كبير.

استدعيتها بصفتي مديرة لهاتين المؤسستين… وفي الصباح، استدعيت كل مديرات المدارس الابتداية وكلهن مغربيات خريجات مدرسة المعلمات، وكذلك بعض عُضْوات الاتحاد النسائي، للحضور لاستقبال الضيفة الكريمة..

وحضر الجميع بدون استثناء..

ولم أحتمل الانتظار، فتوجهت رفقة بعض السيدات الى بيت أستاذنا عبد الخالق الطريس حيث كانت تنزل الفقيدة هي وزوجها.

ومن هناك، ومعها، توجهنا راجلات إلى مدرسة المعلمات (البناية كانت تضم المؤسستين معا)، أقول راجلات لأن المدرسة كانت تقع في حي الجامع الكبير بالمدينة العتيقة قبل أن تنتقل بعد هذه الزيارة بمدة وجيزة إلى مقرها الجديد بالمدينة المدرسية.

استقبلت الضيفة الكريمة استقبالا حماسيا كبيرا من طرف الطالبات وعلت الهتافات، ورددن الأناشيد الوطنية التي كانت تروج في تلك الأيام.

وبدا التأثر جليا على صحة الفقيدة، وهمست لي بأنها لم تشهد قط استقبالا حماسيا مثل هذا الاستقبال.

وأجبتها : إنه نفس الانطباع والإحساس الذي عبر عنه الأمين المساعد للجامعة العربية السيد الشقيري عندما زار المؤسستين أثناء زيارته الأخيرة لتطوان واستقبل بحماس كبير من طرف الطالبات، فتأثر، وألقى بدوره كلمة حماسية، إعجابا بالطالبات وبوطنيتهن المتأججة، وخرج وهو يلهج بما رأى وينشر ذلك بين الناس.

ثم طافت بالأقسام، واطلعت على سير الدراسة، وتبادلت الحديث مع الطالبات، واندمجت معهن، وداعبتهن، وقدمت لهن النصائح.

وفي قاعة الا ستقبال، قوبلت بالترحاب والهتافات من طرف الحاضرات، وألقت إحدى الطالبات كلمة ترحيب نيابة عن ز ميلاتها، وألقيت بدوري كلمة أشدت فيها بنضالها وأعمالها وريادتها، وشكرتها على تفضلها بالحضور، وعن السعادة التي تغمرنا وهي معنا، وارتجلت الراحلة الغالية كلمة فيها شكر وامتنان وٌإعجاب و تهنئة بالمستوى.. ووعد جازم بتبليغ الوزير (كان الأستاذ محمد الفاسي يومذاك يشغل منصب وزير التعليم والفنون الجميلة في الحكومة المغربية الأولى)  كل مطالبنا وأنها ستحرص شخصيا على تلبية هذه المطالب..

وختم اللقاء بزيارة مقر الطالبات الداخليات المنتميات إلى المدرستين الآنفة الذكر،  ولمدرسة الممرضات.

وهمست لي وهن في قمة سعادتها : الحمد الله لقد تحقق الهدفان اللذان عملت من أجلهما : استقلال بلادي، ونهوض الفتاة المغربية إلى أن أدركت هذا المستوى الرفيع الذي أشاهده اليوم في هذه الصبحية المباركة، وانتهت الزيارة بكل الحفاوة والإشادة والتقدير للضيفة الكريمة، ورافقنا الفقيدة إلى بيت الأستاذ الطريس.

وهناك كانت المفاجأة.. الجميع في استنفار، فمحمد الخامس على وشك مغادرة تطوان، بل إن الموكب أخذ يتحرك، والأستاذ الفاسي يرغي ويزبد، بحثا عن زوجته التي أنستها مدرسة المعلمات الموعد الرسمي موعد مغادرةالموكب الملكي لتطوان..

كان الموقف حرجا، ولكن الله سلم، فقد تم الالتحاق بالركب الملكي دون حدوث مشكلة

هكذا تم لقائي الأولي بالفقيدة.

ثم تأتي لقاءات أخرى… فقد صممت على أن لا تنقطع الصلة بيني وبينها..

ثم يأتي اللقاء الثاني عبر رحلة طلابية نظمناها لفائدة السنة الثالثة أي النهائية لخريجات مدرسة المعلمات.

في البداية كنا خططنا الرحلة إلى الربوع الأندلسية، ولكن نشوة الانتصار باستقلال المغرب، جعلتنا نعدل عن الفكرة، فوجهنا المطايا نحو الرباط، الدار البيضاء، مكناس، فاس.

وكنت بعثت برسالة الى الفقيدة أخبرها بعزمنا على السفر إلى الرباط في رحلة طلابية، وأبديت فيها رغبتي في لقائها أثناء وجودنا بالرباط.. وجاءني جوابها سريعا ومفاجئا، فيه ترحاب بالزيارة، وفيه مفاجأة، وهي أننا سنكون جميعا أستاذات وطالبات ضيفات على منظمة المرأة الاستقلالية، وأن لا نفكر في المصروف ولا في الإقامة.

وتضيف : “وسوف أحاول الاتصال بالأميرة لأخذ موعد معها لمقابلتكن، وإن أمكن حتى سيدنا كذلك..” هكذا جاءت رسالتها متضمنة لمفاجآت لم تكن على البال، وما زلت أحتفظ إلى اليوم بتلك الرسالة.

ومن جانبه كان الأستاذ الإلغى قد بعث برسالة في نفس الموضوع إلى شقيقه المختار السوسي، والأستاذ الإلغى كان ضمن هيئة التدريس بمدرسة المعلمات، وبهذه الصفة راسل شقيقه..

وتلقى رسالة جوابية فيه حول الموضوع فقد قام العلامة المختار السوسي بالاتصال مع بعض أصدقائه الرباطيين ومنهم الأستاذ الجليل الحاج عثمان جوريو أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية الذي وضع مدارس محمد الخامس رهن اشارتنا.

كنا في السنوات الأولى من الاستقلال، وكان لكل شيء نكهة خاصة، نكهة المحبة والشوق العارم إلى لقاء الأحباب، لذلك كان لهذه الزيارة صدى مدوٍ في أوساط الرباط…

سقى الله تلك الأيام!

وبوصولنا إلى مدا رس محمد الخامس بالرباط، وجدنا هناك ثلة من الأخوات الاستقلاليات في انتظارنا، ومن هناك توجهنا إلى منزل أحد وجهاء الرباط حيث أعدت لنا مآدب فاخرة مع استقبال حار..

ووجدنا هناك ثلة من عقيلات الرباط وعضوات الحركة النسوية الاستقلالية وعلى رأسهن مالكة الفاسية وهي في قمة سعادتها بتحقيق هذا اللقاء الرائع.

وشاركت طالباتنا في هذه الفرحة مرددات بعض الأناشيد الوطنية مع هتافات باستقلال المغرب وعودة الملك المظفرة، وقد تجاوبت الأخوات الاستقلاليات مع هذه التحية الصادقة الصادرة من الطالبات واشترك الجميع في ترديد الأناشيد الوطنية والتعبير عن الأشواق التي كانت تعتلج بها القلوب…       -يتبع-

دة. آمينة اللوه

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *