ما هو المعنى الحقيقي للاستقلال؟


الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان  إلا على الظالمين

وبعد :

إن وزارة الأوقاف مشكورة لا تفتأ تذكِّرنا ببعض الذكريات التاريخية الخالدة كَيْ نذكِّر بعضَنا بعضا بها ، ونأخذ العبَر الكبيرة منها.

ومن جملة الذكريات الخالدة في تاريخ المغرب ذكرى تحرُّر المغرب من الاستعمار، ذكرى نيْلِ المغرب استقلالَه، ذكرى تحرره من هيمنة الأجنبي الكافر الذي أناخ على صدره أكثر من أربعة عقود.

فما معنى الاستقلال الحقيقي بالنسبة للشعب المغربي المسلم؟!

معناه الحقيقي :

أولا : الاستقلال في العبادة والتوجه : الشعب المغربي المسلم منذ تأسست دولته على يد المولى ادريس رحمه الله تعالى، وهو لا يتوجه إلا لله بالعبادة والرجاء، بينما المستعمر لا يعرف الله ولا يعبد إلا الهوى، {ذلكم الله ربكُمْ لا إله إلا هو خالق كلّ شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل}(الأنعام : 102).

ثانيا : الاستقلال في المرجعية :

أي أن المسلم كما يرجع في عبادته إلى الله يرجع أيضا في شريعته وقوانينه وحُكمه إلى الله وحده {وأنْ احْكُم بِما أنزَل اللّه ولا تَتَّبع أهْواءهم واحْذَرْهُم أن يفْتِنوك عن بعْضِ ما أنْزل الله إليك}(المائدة : 49).

ثالثا : عدم الرضا بحكم الكافرين : {ولَنْ يجْعل الله للكَافِرين على المُومِنين سَبِيلا}(النساء : 141).

رابعا : الاستقلال في الولاء :

فالمسلمون ولاؤهم لله والرسول والمومنين {إنّما ولِيُكُم اللّه ورسُولُه والذِين آمَنُوا..}(المائدة : 55).

خامساً : الاستقلال في الهدف والاستقلال في التجمع، والاستقلال في الرسالة والوظيفة {وأنّ هذِه أمّتكم أمّةً واحدة وأنا ربّكم فاتّقون}(المؤمنون : 52)، {كُنتم خير أمّة أُخْرجت للنّاسِ تامُرُون بالمعرُوف وتَنْهون عن المُنكر وتُومِنُون باللّه}(آل عمران : 110).

سادسا : الاستقلال في العلاقات التي تربط بين المسلمين بعضهم ببعض، وبينهم وبين غيرهم، فالعلاقة بين المسلمين علاقة أخوة إيمانية توجب التكافل والتعاون والتناصر والتراحم والتآزر والتضامن في البأساء والضراء {إنما المومنون إخوة}(سورة الحجرات).

وبينهم وبين غيرهم علاقة تعايش وتعاون في حدود المعروف الإنساني، وفي حدود الكرامة الإنسانية {لا ينهَاكُم اللّه عن الذِين لم يُقاتِلُوكم في الدِّين ولَم يُخرجُوكم من دِياركُم أن تبَرُّوهم وتقسِطُوا إلَيْهِم…}(الممتحنة : 8).

سابعا : الاستقلال في الحب : فالحب في الاسلام لله وللرسول وللدين وللمومنين >ثلاث من كُنّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقْذف في النار<(متفق عليه).

ثامنا: الاستقلال في الطاعة : ففي الإسلام >لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق< {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(النساء : 59).

تاسعا : الاستقلال في المآكل والمشارب والمكاسب : {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إيّاه تعبدون}(البقرة : 172) فلا أكْل إلا للطيب، ولا كسب إلاّ للطيب الحلال، فكل كسب من السرقة أو الغش أو الرشوة أو الربا، أو المتاجرة في الحرام كالقمار وبيع لحم الخنزير أو بيع الخمر، أو بيع الحشيش أو كل مخدر، كُلُّ كسب من ذلك حرام لا يقبل الله عز وجل من صاحبه صرفا ولا عدْلاً مهما صلَّى وصام وحج واعتمر، فإن ذلك إنما يدُل على المخادعة لله، والله لا يُخدع.

وبالنسبة للمشارب، فلا يجوز أن يَشْرب المسلم دخانا يضر بالصحة والمال، ولا أن يشرب خمراً يضر بالعقل والعرض والمال والخلُق والمروءة.

عاشرا : الاستقلال في العلاقة الجنسية، فلا علاقة بين المرأة والرجل -في الإسلام- إلا عن طريق الزواج، ومن لم يقدر فعليه بالاستعفاف والصوم {ولْيَسْتعفف الذِين لا يجدُون نكاحاً حتّى يُغْنِيهم الله من فَضْلِه}(النور : 33).

وهكذا نجد أن الاستقلال معناه باختصار كبير :

استقلال القرار، استقلال الهدف، استقلال التوجه، استقلال الأخلاق، استقلال الذاتية، استقلال التخطيط في التعليم، التخطيط في التصنيع، التخطيط في الاقتصاد، التخطيط في بناء المجتمع، التخطيط في الأبحاث العلمية، التخطيط الرابط بين الماضي والحاضر، والتخطيط للمستقبل على أساس ذاتيتنا الأصيلة، فنحن لسنا أمة لقيطة، ولكننا أمة مؤسسة من دعوة ابراهيم عليه السلام {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا أمة مسلمة لك}(البقرة : 128) فنحن أمة مصنوعة على عين الله تعالى.

هذه بعض أنواع الاستقلال التي ضحى المجاهدون المغاربة في سبيل الحصول عليه، وهذا هو الاستقلال الذي ضحّى محمد الخامس رحمه الله بعرشه ومعه ولي عهده الحسن الثاني رحمه الله في سبيل الحصول عليه فتربع على عرش القلوب ليرفع رأس المغاربة عاليا شامخاً في نُبْل الجهاد، وشهامة الكفاح، وليعطى للشعوب المستعمرة درساً نموذجيا في التضحية بالمصحلة الخاصة لحساب المصلحة العامة.

وهذا هو الاستقلال الذي دفع عَلاَّل بن عبد الله رحمه الله إلى الهجوم على صنيعة الاستعمار وعميله في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع من العالم كله ليعلّم الأحرار في كل مكان كيف تكون العزة بالله، ولله، وكيف تكُون حماية الوطن من الكفر المُذِل، والخِزي الساقط.

فهل وفَّى المغاربة على مدَى 52 سنة بحق المجاهدين من الأمراء والعلماء والعمال والتجار والبُسطاء من المواطنين الكرماء الشرفاء؟!

أم عَقَقْنا تاريخَهم، وأنكرنا جَمِيلَهم إلى درجة أن أرواحهم يمكن أن تكُون تتبرأ منا في العالم الأخروي الذي مضوا إليه شهداء وتركونا للجميل ناكرين.

 الخطبة الثانية

وبعد :

كانت المبادئ العامة التي تبنّاها الوطنيون المخلصون في بداية الاستقلال هي :

1) المغْربة : أي تعويض المعمِّرين بالمغاربة.

2) والتعريب : أي جعل اللغة العربية هي لغة الشعب والدولة، تعليما، وبحثا، وتدريسا، ودراسة وإدارة، وتخاطبا في البيوت والشوارع والإذاعة، ولا عربية بدون قرآن وسنة وآداب وثقافة عربية متينة.

3) تعميم التعليم : أي أن يُقْضى على الأمية، القلمية والفكرية في جميع أنحاء القرى والبوادي، وذلك مشروع طموح أجْهض في مهده. وما زلنا نعاني منه، وكان بإمكاننا أن نكون نموذجا حسنا لجميع الدول الافريقية والعربية، بل كان يمكننا أن نكون قبلة علمية لهؤلاء؟!

4) توحيد التعليم : أي ألاّ يكون هناك تعليم شرعي عتيق، وتعليم عصري حداثي لا صلة له بالأصالة، والتوحيد كان معناه أن تُخْرَج أجيال موحّدة الثقافة، موحدة الرّؤى، موحدة الوطنية، موحّدة الأهداف أجيال يحق للمغرب أن يفتخر بها، فهي تمزج بين الأصالة والمعاصرة، بين القديم والجديد، بين الحياة الروحية والجسدية، بين طلب العلم النافع ولو من الصين، والاغتراف من عِلْم القرآن الذي يميِّزُ هذه الأمّة عن جميع الأمم.

هذه بعض المبادئ الكبرى التي خَطَّطَ لها الأولون المخلصون.

فأين هي العربية الآن في الحس الوطني؟! والحقل الاجتماعي؟! والحقل الدولي؟! وأين التعليم الذي يجعل المواطنين أصحاب هوية واحدة؟! وهمّ واحد؟! وهدف واحد؟!

وأين هو الاقتصاد المبني على التخطيط الذاتي الذي يحل مشاكلنا الذاتية ببساطة الأخوة، وبساطة القناعة، وبساطة الحب، وبساطة الحياة؟! وبساطة الجوار، وبساطة التضامن؟!

إن اللوم لا يقع على الاستعمار، ولكن يقع علينا.

نحن مع الاستعمار كمثل الإنسان مع الشيطان؟ زيّن لنا المروق من الدين فمرقنا، وزيّن لنا الإلحاد فألحدنا، وزيّن لنا العُري فتعرينا، وزيّن لنا الفاحشة فأفحشنا، وزيّن لنا الإثراء على حساب الضعفاء فتكونت طبقة الأثرياء المتحكمة في الضعفاء، وزيّن لنا تضييعَ الأموال في الحفلات والشعارات والمجالس التي لا تقدم للبلد نفعاً، فضيعنا الأموال ولا حَقَتْنا دعوات المظلومين والمحرومين.

الاستعمار لم يقض على القرويين ولا على التعليم الأصيل، ولا على الكتاتيب القرآنية، وعلى المعاهد العلمية الحرة، ولكن التفريط فيها وقع عندما أخذ بنو جلدتنا زمام الأمور فقضوا على ذلك، وضيّقوا على ذلك. وجعلوا الإسلام الذي حرَّر البلادَ غُولاً يُخافُ منه؟!

فالمصيبة ليست مصيبة الاستعمار، ولكنها مصيبة الغزو الفكري الاستعماري الذي خالط دماءنا ومشاعرنا وكياننا حتى أصبحنا لا نرى العيش إلا في ظله، فنسينا الله، فأنسانا أنفسنا {ولا تُكُونُوا كالذِين نَسُوا اللّه فأنْساهُم أنْفُسهم أولئك هم الفاسِقُون}(الحشر : 19) أليس من الجراءة الوقحة على الله والتاريخ والذكرى واليوم، -يوم الجمعة-أن يكون هذا اليوم الجمعة يوم رجوع الملك المجاهد محمد الخامس رحمه الله، ويوم عيد المومنين، ويوم التضرع والاستسقاء هو يَوْم الاحتفال بنوع من الخمور في بعض المدن المغربية؟!

فالاعتبار الحقيقي من ذكرى الاستقلال ينبغي أن يكون على شكل مراجعة حسابية دقيقة هدفاً، وتاريخا، وهوية، وعلماً، واعتماداً على الذات، وصدقاً مع الله، والنفس، والمجتمع، وصدقاً أولا وأخيراً مع القمة والقاعدة حتى نكون ذاتا واحدة لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين مسؤول وأجير، ولا بين غني وفقير، ولا بين بدوي ومدني، ولا بين رجل وامرأة، فالكل في ميزان الله تعالى إنسان مكرم.

والأمل إن شاء الله تعالى معقود على أمير المومنين محمد السادس نصره الله تعالى، الأمل معقود عليه أن يعيد للمغرب شبابه النهضوي، وشبابه الحماسي، وشبابه البنائي، وشبابه الأخوي، حتى ينهض المغرب من جديد إن شاء الله تعالى نهضة علمية، وخلقية،وتفتُّحِيَّةَ تَفتُّحاً ذاتيا أصيلا.

والحمد لله رب العالمين

ذ. أبو بدر

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *