كيف غير الإسلام مناسك الحج


لا يخفى أن الحج إلى بيت الله الحرام عبادة قديمة منذ عهد ابراهيم عليه السلام بانيه ومشيده، لأول مرة على وجه البسيطة وأن هذه العبادة استمرت ودامت حتى جاء الإسلام فجعلها الركن الرابع من أركانه ولكن الشيء الهام الذي نود الكلام عنه هو أن أهل الجاهلية قد أدخلوا على هذه العبادة بتوالي العصور وكرّ الأيام ومرّ الدهور كثيرا من العادات الجاهلية والبدع والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان… كما اصطلحوا على محدثات كثيرة وتواضعوا عليها منذ الزمن القديم، حتى آل الأمر إلى انحراف الناس عن النهج الابراهيمي الحنيف في الحج.. ثم توارثت قبائل العرب هذه المناسك مع ما فيها من بدع وحوادث وتحريفات، وبُعدٍ عن المقاصد والغايات التي أرادها الله في هذه العبادة.. وفي ذلك يقول العلامة ولي الله الدهلوي في كتابه “حجة الله البالغة” : >إن أهل الجاهلية كانوا يحجون، وكان الحج من أصل دينهم، ولكنهم خلطوا أعمالا ما هي مأثورة عن ابراهيم عليه السلام، وإنما هي اختلاق منهم، وفيها اشراك بالله، كتعظيم الصنمين >إساف ونائلة< وكالإهْلال >لِمناة< الطاغية وكقولهم في التلبية > لا شريك لك إلا شريكاً هو لك<.

وقد بقي الأمر على تلك الحال إلى أن جاء الإسلام مزيلا لهذه البدع والضلالات ومبطلا لها.. فتصدى القرآن الكريم والسنة المشرفة لكل بدعة من هذه البدع، ولكل موقف من مواقف الجاهلية الدخيلة، فاجتثه واستأصل شأفته وأول التغييرات الاسلامية في مناسك الحج أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون : >لا نطوف بثياب عصينا فيها< وكان ذلك بابا لِفساد كبير ومنكر عظيم، فأبطل هذا التقليد الجاهلي.

يقول ابن عباس ] : كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، فأنزل الله تعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} فأمرهمالله بالزينة، وهي اللباس الذي يواري السوأة. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ] >بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمّره عليها رسول الله  قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر >لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان<.

ثم إن أهل الشرك كانوا يتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة، فجعل الله الصفا والمروة من شعائر الله، وفرض السعي بينهما، وقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان، يهلُّون لـ”مناة” فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة فسألوا النبي  عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله تعالى في ذلك {إن الصفا والمروة من شعائر الله}(البقرة : 158).

وقالت السيدة عائشة : وقد سنّ رسول الله  الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما.

ثم إن قريشا كانوا يميزون أنفسهم من سائر الناس، ويسمون أنفسهم الحُمُس -أي المتحمسون لدينهم والمتشددون فيه- وكان من مظاهر تميزهم عن باقي الناس ترفعهم عن الوقوف بعرفات مع الحجيج، فكانوا يقفون بالمزدلفة، ولا يخرجون منها، حتى إذا ما أفاض الناس من عرفات أفاضوا من مزدلفة، وكانوا يقولون : لا نُفيض إلا من الحرم. فأبطل الإسلام هذا العرف الجاهلي، وأنزل الله تعالى في الحمس {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}(البقرة : 119) أي من عرفات.

وأيضا فإن العرب في الجاهلية كانوا إذا أحرموا بالحج حرّموا على أنفسهم دخول البيوت من أبوابها تقرباً إلى الله في ظنهم وزعمهم، ومن أجل ذلك كانوا في حالة إحرامهم ياتون بيوتهم من ظهورها فأبطل الاسلام هذه العادة الجاهلية وأمر بدخول البيوت من أبوابها. وقد روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ] قال : >كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله تعالى : {وليس البر بأن تاتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من اتقى، واتوا البيوت من أبوابها}<.

ثم إن أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون من مزدلفة إلى منى حتى تطلع الشمس، فكانوا يرقبون الشمس وينتظرونها، فإذا ما طلعت دفعوا من المزدلفة إلى منى، فأبطل الاسلام هذا المنسك الجاهلي وشرع الإفاضة منها قبل طلوع الشمس.

وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب ] قال : >كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع -وجمع اسم لمزدلفة- حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون : >أشرق ثبير كيْما نغير< فخالفهم النبي  فأفاض قبل طلوع الشمس.

ذكر الله بدلا من ذكر الآباء

وقد كان من عادة العرب في جاهليتهم إذا ما أفاضوا من المشعر الحرام إلى منى أن يجتمعوا عند جمرة العقبة، فيذكرون مفاخر آ بائهم، ويعدون مناقب أسلافهم، فنهاهم الاسلام عن ذلك وأبدلهم بما هو خير منه، وهو ذكر الله، فقال تعالى : {فإذا قضيتم  مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} فأمرهم الله بذكره مكان ذلك الذكر، بحيث يجعلونه مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد منه ذكرا، وقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ] قال : >كان المشركون يجلسون في الحج فيذكرون أيام آبائهم ومايعدون من أنسابهم. فأنزل الله {فاذكروا الله كذكركم.}البقرة : 200).

حمل زاد الحج

وقد كا ن من اعتقاد فريق من العرب استحباب الحج من غير حمل زاد، ويعدون ذلك في سبيل الله، ويقولون : نحن المتوكلون، كيف نحج بيت ربّنا ولا يُطعمنا؟وكانوا يستجدون ويضيقون على الناس، ويعتدون فأبطل الاسلام هذا المعتقد ونهاهم عن ذلك، وأمرهم بالتزود. وقد روى ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ] قال : كان ناس يخرجون من أهلهم، ليس معهم أزْوِدة يقولون : نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فنزل قوله تعالى : {وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى}.

التجارة في الحج

ثم  إنه كان من اعتقاد أهل الجاهلية كراهة البيوع والتجارة في موسم الحج، وكانوا يتّقونها ظنا منهم أنها تُخِلّ باخلاص العمل لله، ويقولون : هذه أيام ذكر الله… وفي ذلك تحريم لما أحل الله سبحانه فأبطل الإسلام اعتقادهم هذا وأنزل الله سبحانه على نبيه {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم}(البقرة : 198).

وكان من تقاليد العرب في الجاهلية أنهم كانوا إذا ذبحوا القرابين لآلهتهم استقبلوا الكعبة بها، ونضَحُوا عليها من دماء الذبائح، كانوا يفعلون ذلك تقربا إلى الله في ظنهم وزعمهم، حتى جاء الإسلام فأبطل ذلك ونهى عنه، وقد أخرج ابن المنذر وابن مرْدويه عن ابن عباس ] قال : >كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء، ينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله قوله {لن ينال الله لحومُها، ولا دماؤُها، ولكن يناله التقوى منكم}(الحج : 37).

وهكذا قضى الإسلام على بدع الحج وانحرافاته التي ما أنزل الله بها من سلطان، وعاد الحج إلى أصله الابراهيمي التقي الطاهر القائم على قواعد التوحيد ودعائم الإخلاص لله رب العالمين.

ذ. عمر فارس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *