قواعد خير الأنام لتصحيح صورة الإسلام – قـراءة فـي خطـبة الـوداع


إذا كانت حجة الوداع دليلا على رحلة نبوية ناجحة تحققت فيها رسالة الختم، ورسالة الكمال والرضا مصداقا لقول الله عز وجل : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة: 4)، فإن الخطبة تعد وثيقة هامة من وثائق الإسلام، ونموذجا للخطبة الجامعة والمؤثرة التي شملت قواعد خير الأنام وجوامع الكلم لصورة الإسلام؛ بما فيها من  وتوجيهات ووصايا أقر من خلالها صلى الله عليه وسلم  قواعد الرحمة والعدل والمسواواة، ودعائم السلم والسلام وأواصر المحبة والإخاء، ومبادئ الحوار ونظم الإصلاح، ووضع الخطوط العريضة والأسس العامة من أجل تحقيق الشهود الحضاري المنشود والتنمية البشرية المتوخاة؛ هذه الأسس  يمكن إ جمالها في خمسة :

أولها : التمسك بالكتاب والسنة وهذا أولى الأولويات.

وثانيها : تنشئة الإنسان الصالح.

وثالثها : بناء الأسرة النموذجية.

ورابعها: إقامة المجتمع القوي والمتراص البنيان.

وخامسها : تحقيق الوحدة الإسلامية.

وقد أحاط عليه الصلاة والسلام كل هذا بجملة هاعد يمكن استخلاصها من خلال استقراء نص الخطبة :

أولا : قاعدة عالمية الرسالة الإسلامية :

ويؤكدها الرسول صلى الله عليه وسلم في افتتاح خطبته بقوله “أيها الناس”  وذلك على غرار العديد من الآيات القرآنية التي يرد فيها الخطاب بلفظ العموم ؛ فيدخل المسلم وغير المسلم، والذكر والأنثى والغني والفقير…؛ لأن هذا الدين هو دين للناس كافة، والدعوة الإسلامية دعوة عالمية، ولأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى العالمين؛ لقول الله تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 106).

وكلمة “العالمين”  تفيد أن رسالة الإسلام صالحة لمختلف العصور والبيئات لشمولها البعدين الزماني والمكاني، وخاصية الشمول فيها تتجلى في استيعاب الدين الإسلامي لكل شؤون الحياة، كما أن مبدأ العالمية هو جسر التواصل والأساس في العلاقات الدولية سواء بين المسلمين، أوبين المسلمين وغيرهم من أصحاب الرسالات والثقافات الأخرى….

  ثانيا: قاعدة الإصلاح العقائدي :

جاءت خطبة الوداع من أجل الإرشاد إلى حقائق المبدأ والمعاد، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، مع التشبث بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم  >وقد تركت فيكم ما لن تظلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب…<(1)، لأن القرآن والسنة محورهما الأساسي هوالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل بالشريعة الموصلة للسعادة في يوم المعاد.

 ثالثا: قاعدة الإصلاح الاجتماعي، والتأكيد على الرابطة العقدية والأخوة الإسلامية :

في خطبة حجة الوداع تجسيدا عمليا لمبادئ الإسلام وتحقيقا واقعيا للمجتمع المتراص البنيان؛  مجتمع الأخوة الإسلامية اللامحدود والجامع غير المانع، الجامع لجميع البشر ومختلف الشعوب والقبائل، وغير المانع من دخول غير المسلم؛ لأن رسالة الختم هي رسالة للناس كافة، وتأكيدا على أن مفهوم الأخوة الإسلامية مفهوم شامل يهدف إلى توحيد الصفوف ونبذ التفرق والاختلاف : >لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض <(2) بعيدا عن أي مفهوم ضيق ناتج عن تعصب أوتطرف، وتنبيها إلى أن الناس جنس واحد ومن نفس واحدة، ومن عائلة واحدة أبوهم آدم وأمهم حواء، وأنهم متساوون أمام الله ومتكافؤون في الأفضلية وفي الحقوق والتبعات، وأنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لشعب على شعب ولا أمة على أمة إلا بالتقوى: >يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى <(3) بإلغاء كل الحواجز والفوارق الطبقية.

رابعا : قاعدة الاصلاح لأخلاقي :

وذلك بإرشاد العباد إلى أن الإسلام يسعى إلى حفظ الأنفس والأموال والأعراض، فجعل صلى الله عليه وسلم محرما : >فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا…<(4)، وهذا المبدأ هو جوهر الخلاف بين الدين الإسلامي والنظم الأخرى من شيوعية ورأسمالية….، كما أكد  أن الله تعالى حرم الدماء في سائر الشرائع والرسالات : {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أوفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}(المائدة : 32)، وأن الإسلام ليس دين سفك الدماء : >ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث..<(5)، وإنما هو دين سلم وسلام، ودين يُدين كل أشكال التخريب والعنف والاعتداء والسلب والنهب، وترويع الآمنين وإراقة الدماء ويرفض كل صور الترهيب والتخويف، وهو صلى الله عليه وسلم من كان يوصي بعدم قتل النساء والأطفال:>لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة..<(6).

خامسا : قاعدة الإصلاح الحقوقي وتكريس الإنسان عموما بحرمة الدماء والأموال والأعراض، والتركيز على الحقوق المتبادلة بين الرجل والمرأة من أجل الحفاظ على كيان الأسرة.

إن الإسلام كما جعل للمرأة حقوقا أعطى  للرجل كذلك حقوقا نص عليها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : >ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه..<(7). هذه الحقوق التي جعلها الرسول  صلى الله عليه وسلم في حديث آخر من أهم صفات المرأة الصالحة : > ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غا نصحته في نفسها وماله<(8)، ولها طبعا مثل الذي عليها ؛ ومن حق المرأة على الرجل النفقة والكسوة والمعاشرة بالمعروف والاحترام.. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف<(9) وغير ذلك مما هو ثابت بالإجماع ، وفي هذا كله الجواب الشافي على افتراء المفترين وتأويل الجاهلين، والدحض الكافي للنموذج الغربي في العلاقات الزوجية القائم على أساس سياسة التفكيك الأسري والانحلال الأخلاقي.

سادسا  : قاعدة الإصلاح النسائي؛ وذلك عن طريق حماية المرأة واحترامها وحفظ كرامتها وإعطائها جميع الحقوق الدينية ية والإنسانية. :

ففي حجة الوداع رد بليغ على ادعاءات وشبهات المغرضين أعداء وأدعياء الإسلام، الذين يتخذون من قضية المرأة مبررا ومدخلا لتشويه صورة الإسلام واتهام الشريعة الإسلامية بعدم العدل وحرمان المرأة من حقوقها مع أنهم يدركون جيدا أن الإسلام قد كفل للمرأة جميع حقوقها الدينية والدنيوية، وأحاطها بتكريم لم تحظ به في أي شريعة قط، ولم توفره لها القوانين الوضعية… وخير رد على هؤلاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم : >اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله…<(10) وهو يستوصي صلى الله عليه وسلم في خطبته بالنساء خيرا : >ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم  ليس  منهن شيئا غير ذلك..<(11).

سابعا : قاعدة الإصلاح المالي، و إلدعوة إلى اقتصاد إسلامي لا ربوي:

جاء بيان الرسول صلى الله عليه وسلم في موضوع الربا صريحا وواضحا، وردا على كل الادعاءات والاتهامات المغرضة بشأن الاقتصاد الإسلامي بقوله صلى الله عليه وسلم : > وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله… <(12)، على عكس ما يدعيه الإسلام المشوهون للصورة بأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد ربوي، وأن الإسلام لا يوفر بيئة صالحة للأعمال، هؤلاء الذين لا يفرقون بين المنهج الإسلامي في التعامل المالي أوالمنهج الاقتصادي الإسلامي، وبين الواقع المتردي والمشوه الذي يعرفه الاقتصاد في العديد من الدول الإسلامية، والذي نتج في حقيقة الأمر عن ضعف وغياب القيم الإسلامية النبيلة في مجال المعاملات المالية، وأن الربا في حقيقته هوتبع للنظام الرأسمالي المسيطر على البلدان الإسلامية ومظهر من مظاهره الشنيعة.

هذه -باختصار- بعض بيانات الرسول صلى الله عليه وسلم التي يمكن اعتبارها قواعد هامة من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة ورد الشبهات المغرضة، وهي آخرما خاطب به عليه الصلاة والسلام  أمة الوسطية والاعتدال من أجل تأهيلها للقيام بدورها الرسالي التكليفي حتى تتحقق شهادته صلى الله عليه وسلم  إن هي قامت بوظيفتها ورسالتها الأساسية: (ليكون الرسول شهيدا عليكم و شهداء على الناس…)الحج : 75-76.

دة. ناجية أقجوج

———

1 – أخرجه مسلم.

2 – أخرجه البخاري.

3 – أخرجه أحمد.

4 – أخرجه البخاري.

5 – أخرجه مسلم.

6 – أخرجه أبوداود.

7 – أخرجه مسلم.

8 – أخرجه ابن ما- أخرجه مسلم. //    10 – أخرجه مسلم.

11 – أخرجه الترميذي.  //   12 – أخرجه مسلم.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *