{فبهداهم اقتده} الحرص على العلم


إن المسلم اليوم في أمس الحاجة إلى القدوة الحسنة، إذ لسان الحال أبلغ من لسان المقال. قال بعض السلف : “إن أحدنا ليلقى أخاه فيعقل برؤيته أياما” فقد كانت رؤية السمت والسلوك أهم أداة وأبلغها في تربية النشء، وقد قال رب العزة : {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}(الأنعام : 90).

وسنقف بعون الله تعالى مع هدي الصحابة رضي الله عنهم في شتى الجوانب التي تسهم في بناء شخصية المسلم المنهاجي الذي يحمل هم إصلاح الإنسان، والعودة به إلى الانسجام مع سائر الأحياء التي تؤدي مهمتها بانضباط ودقة متناهية.

إن أول ما يبدأ به المسلم المنهاجي هو العلم إذ لا يستقيم اعتقاد ولا عبادة ولا عمل ولا خلق دون العلم الصحيح والفهم العميق، من أجل هذا اجتهد الصحابة في طلب العلم، وبذلوا فيه أوقاتهم، وجعلوه أهم أهدافهم.

لما حضر معاذ بن جبل ] الموت قال : >اللهم إني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات (يعني قيام الليل)، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر<(1).

وعن أبي الدرداء ] قال : >لولا ثلاث خلال لأحببت أن لا أبقى في الدنيا، فقيل وما هن؟ قال : لولا وضع وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار يكون تقدمة لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة<(2).

وكما حرصوا على التعلم، كانوا أحرص على دعوة غيرهم لطلب العلم، وطرق الأبواب الموصلة إليه. قال معاذ بن جبل ] : >تعلموا العلم فإن تعلمه لله تعالى خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار أهل الجنة، والأنس في الوحشة والصاحب في العزلة، والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء، والسلام على الأعداء والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما، ويجعلهم في الخير قادة وأئمة تُقتبس آثارهم ويُقتدى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى الحيتان في البحر وهوامه، وسباع الطير وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجة العليا في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدراستُه بالقيام، به توصل الأرحام ويُعْرف الحلال والحرام، وهو إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء<(3).

ذ. منير المغراوي

—-

1- سيرة الصحابة، ص : 25، الدكتور مصطفى مراد.

2- 3- نفسه، ص : 26.

> منير مغراوي

أستاذ السلك الأول الإعدادي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *