عن أي حقوق إنسان تتحدثون..؟!


تكاثفت الوقائع -الزمنية والموضوعية- : الداعية او الموجبة لطَرْق قضية (حقوق الإنسان ـ طرقا نقديا: بمقياس مصداقية التطبيق ـ.. وفي طليعة هذه الوقائع والدواعي.

أ- انه بعد عاشر  ديسمبر ستحل ذكرى صدور (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).. ففي العاشر من ديسمبر 1948 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الإعلان، وطيّرته في الآفاق.

ب- الواقعة الثانية: القمة الإفريقية الأوروبية التي عقدت يوم السبت 8/12/2007 في لشبونة بالبرتغال، وهي قمة (تذكير) -او لعلها تكون كذلك- بحقوق الإنسان الإفريقي المهدرة المستباحة. ففي إفريقيا يوجد مليار إنسان، يجتاحهم ويسحقهم: الفقر والجوع والمرض والجهل والعطش: في قارة تزخر بمعدلات عالية من الموارد الطبيعية، وهي موارد انتهبها الغرب، واستعبد صاحبها الإفريقي واستعمره قرونا عديدة.

ج- الواقعة الثالثة: مؤتمر المناخ العالمي في بالي باندونيسيا (3 ـ 14) ديسمبر الجاري.

وبين (مناخ الكوكب) وبين حقوق الإنسان: علاقة وثقى لا تنفصم، وعلى الرغم من وجود هذه العلاقة الضرورية بين الساكن والمسكون، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد غفل بالكلية عن (حق الإنسان في بيئة كونية صالحة)، إذ لم يتضمن أي بند من بنوده الثلاثين ما ينص على هذا الحق الحيوي..

وهذا الإهمال المروع هو من مسوغات النقد الذي نوجهه الى هذا الإعلان، وهو نقد مقترن بالبديل، بمعنى اننا نقترح إضافة البند التالي إلى ذلك الإعلان وهو: >حق الإنسان في التمتع الصحي والجمالي ببيئة وطنية وكونية نظيفة صالحة: هو حق لا ينقض لأنه مرتبط بالحق الأول للإنسان وهو حق الحياة والوجود<..

وفي حقيقة الأمر، فإن مناخ الكوكب الأرضي يكاد يَفْسُد من التلوث، ومن الاحتباس الحراري. فهذا المناخ يتعرض باستمرار لارتفاع درجة الحرارة على الأرض.. ومن المخاطر المترتبة على ذلك: التهاب سطح الكوكب، وتأثيرات ذلك على الحياة البشرية، ومهاد الإنسان ومقامه.. وذوبان جبال الثلج في القطب الشمالي.. وغرق الارضين المنخفضة كافة.. واختفاء الجزر.. وازدياد الأعاصير عنفا وتدميرا.. وتدمير المحاصيل.. واتساع رقعة التصحر.. وتشريد الشعوب الخ الخ..

وهذه كلها مخاطر جدية تهدد حقوق الإنسان في الصميم والعمق.. من اجل هذا ربط تقرير الأمم المتحدة ـ في هذا الشأن ـ بين حقوق الإنسان وبين أحوال المناخ.. ومما ورد في هذا التقرير: >كيف نستطيع ان نترك الناس الأكثر فقرا في العالم يشربون مياها ملوثة ويعيشون في جوار المستنقعات القذرة ويتعرضون لشتى الأمراض والأوبئة، على حين ان البلدان الغنية تحمي مواطنيها وتحصنهم بأنظمة مناعة ايكولوجية متطورة تقيهم شر التغييرات المناخية والبيئية الخطرة الى حد كبير…

إن حقوق الإنسان في هذه المعادلة لا وجود لها ولا اعتبار. وهذا التجاهل لهذه القضايا يعتبر (خطفا ممنهجا) لحقوق الفقراء والأجيال القادمة، وتراجعا معيبا عن قيم العدالة الإنسانية<.. وفي ضوء هذه الحقائق الصاعقة يقول الأسقف البارز ديزموند توتو (وهو أحد شخصيات مؤتمر المناخ في بالي).. يقول: >إن حكاية التكيف مع التغيرات المناخية مجرد تعبير ملطف لتمويه العدالة الاجتماعية وسوء توزيعها على الصعيد العالمي. إننا سائرون نحو عالم يقوم على نمط جديد من التمييز العنصري العالمي<.. يقصد (التمييز العنصري البيئي).. ومعلوم -في العقل والقانون والضمير- : ان العنصرية وحقوق الإنسان: نقيضان لا يجتمعان.

د- الواقعة الرابعة الحافزة على طرق قضية حقوق الإنسان: تقرير لجنة حقوق الإنسان الأوروبية.. فقد جاء في هذا التقرير: >ان الأساليب التي تتبعها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في إدراج الأشخاص المشتبه بهم في القائمة السوداء المتعلقة بقضايا الإرهاب هي أساليب عشوائية كلياً، وانتهاك للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وإهدار لحكم القانون..

يضاف إلى هذه الانتهاكات السافرة : عمليات الاختطاف، والأفعال الاستثنائية: كمعسكرات الاعتقال السرية، والاستهانة، والتحقير، والتعذيب.. وكان تقرير للمجلس الأوروبي قد قال من قبل: إن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) استغلت اتفاقات حلف الناتو لمساعدتها في إدارة معتقلات سرية في بولندا ورومانيا حيث تم احتجاز مجاميع من الناس في سجون انفرادية لعدة أشهر وهم مصفدون بالأغلال. ولقد تعرض هؤلاء لأنواع قاسية من التعذيب العقلي والجسدي<. هذه وقائع أربع تؤكد حقيقة الرياء والنفاق والكذب والبهتان في قضية حقوق الإنسان: شعارات مجنحة لامعة تتغنى بهذه الحقوق. على حين ان الواقع على الأرض يكذب هذه الشعارات تكذيبا، وينسفها نسفا. ومن شاء المزيد من هذه (الكوميديا) الساخرة، أو (المناحة) الباكية، فهذا هـوالمزيد:

1- تنص المادة (4) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على انه: +لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما؛.. فكيف هو حال الواقع البشري اليوم؟..

لقد عادت البشرية إلى عاهتها الغابرة في (المتاجرة بالبشر).. مثلاً: ثمة (زلزال اجتماعي) يضرب الأسرة البشرية ضربا منكرا. ويتمثل هذا الزلزال في (وأد الطفولة البريئة) من خلال دفع مئات الألوف من هؤلاء الأطفال إلى مستنقع الرذيلة الجنسية بواسطة شبكات دولية تتجر بالأطفال (بيعاً أو تأجيراً)، لتغمسهم في هذا الوحل: تلبية لرغبات نجسة لطبقات منحرفة {ملعونين أينما ثقفوا}( سورة الأحزاب)، وكان قد عقد مؤتمر عالمي في استوكهولم لمواجهة هذا البلاء أو الوباء الذي يرد البشرية إلى عهود (الرق) -بالمعنى العلمي والأخلاقي للتعريف-.

ومما يلحق بهذه المأساة الكريهة: عودة الرق في صورة أخرى تتمثل في معاملة الأسرى معاملة الرق من حيث معاملتهم بوحشية وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية ـ كالمحاكمة العادلة ـ، كما يجري في سجن جوانتنامو.. إذ يجري هناك ما يشين الإنسانية على الرغم من وجود المادة 30 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على أنه: >ليس في هذا الاعلان نص يجوز تأويله على انه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه<.. ما فائدة رباط العنق الجذاب، والشعر اللامع، والكلام المزخرف، وأضواء المدينة، وضجيج الاعلام بشعار حقوق الإنسان: إذا كان الإنسان يهان بهذه الطريقة الهمجية؟!.

2- كم عمر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟.. 61 سنة.. ومن المفارقات القاصمة لظهر الأسرة البشرية: إن هذا المدى الزمني نفسه قد شهد حراكا رهيبا لـ (مقصلة حقوق الإنسان).. فعلى مدى ستين عاما: مَن الذي دعم ومول وطول الأعمار السياسية لطغاة إفريقيا وآسيا وفاسديها ومفسديها؟.. ومن الذي برع في (صناعة الانقلابات العسكرية) في العالم الثالث في الستين سنة الماضية، وهي الانقلابات التي كبتت الحريات، وألغت حقوق الإنسان، واستبدت لقمة الخبز بـالأغنية الوطنية؟!.. من الذي حمى وساند وحرس أنظمة شاه إيران، وسوهارتو اندونيسيا، وماركوس الفلبين، وبوكاسا إفريقيا الوسطى، وموبوتو زائير.. من فعل ذلك كله؟.. انهم ساسة الغرب المتشدقون بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

3-، ان شركات أدوية رأسمالية، تطرح في الأسواق أدوية تنشئ أمراضا خطرة، وتتلف صحة الذين يتناولونها، إذ ان هدف هذه الشركات هو الربح: لا حق الإنسان في الصحة والعافية.. وقد ثبت ان بلدا أوروبيا معينا ـ ضخم الكثافة السكانية ـ طرح في الأسواق العالمية 1400 مستحضر طبي: ممنوع طرحها في الأسواق المحلية لذلك البلد ـ حفاظا على صحة مواطنيه ـ!!.. ثم ان شركات عديدة اكتشفت أدويةجديدة أكثر نفعا، لكنها عطلت تسويقها حتى ينفد المخزون الهائل من الأدوية، الأقل نفعا، والأكثر ضررا.. وبمناسبة الأدوية، فقد مات في هذا العام أكثر من ستة ملايين طفل بسبب نقص الأدوية، بينما لا تزال مافيا الأدوية ودولها تتشدق بحقوق الإنسان!.

4- وفي ظل شعار حقوق الإنسان بوجه عام، و(حقوق المرأة) بوجه خاص: تمارس أقبح صور الابتذال والاحتقار والاستغلال والتسخير للمرأة: وبواسطة المرأة نفسها في كثير من الأحيان!

تبين من هذه الحقائق والوقائع:

أ- ان الذين يرفعون شعارات حقوق الإنسان هم أول من يذبح هذه الحقوق، ولا سيما في علاقتهم بالأمم الأخرى، مما ينشئ ـ بهذه الممارسة ـ تعارضا صارخا بين الديمقراطية وحقوق الانسان.

ب- ان هناك (تناقضا) بين حقوق الإنسان وبين الرأسمالية المتوحشة المفلتة من كل قيد أخلاقي.. لقد ابتلي العالم بالشيوعية.. وكانت الرأسمالية المتوحشة التي تتناقض أطماعها الأنانية مع حقوق الإنسان: كانت أعظم سبب في وجود الوباء الشيوعي، اذ اتسمت الرأسمالية الهائجة بلا لجم: بالجشع الذي لا سقف له، وبفقدان الإحساس بالآخرين، وبالتصميم البليد على ان بناء الذات لا يتحقق إلا على أنقاض الآخرين.

وعلى الــرأسمالية اليوم ـ وعلى الغرب كله ـ: أن يفتحوا وعيهم إلى آخره على الحقيقة التالية وهي أن حقوق الإنسان التي تعودوا التغني بها ليست شعارا منافقا، ولا صراخا سياسيا يستعمل للضغط والابتزاز: عليهم أن يدركوا أن حق الإنسان الأول هو (الحياة) ومن مقوماتها: الغذاء، والمأوى، والدواء، والتعليم، والمساواة المجردة من الاستعلاء العنصري: باللون أو الحضارة.. أو القوة.

وليعلم المراؤون بشعار حقوق الإنسان: ان البشرية بلغت قد مستوى من النضج يؤهلها لأن تميز بين حقوق الإنسان بحسبانها مقومات خلقها الله مع الإنسان ساعة يولد، وشرعها له عن طريق أنبيائه ورسله، وبين تجارة المرائين المنافقين بهذه الحقوق.

ذ. زين العابدين الركابي

> الشرق الأوسط ع 2007/12/8

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *