خطاب الضمان البنكي(الكفالة) بالمغرب: الواقع والبديل


لاشك أن بعد التطبيق الحالي للبديل في مجال التمويل البنكي بالمغرب، أصبح من المطلوب مواصلة تقديم كل منتج تمويل بما يتفق مع تعاليم الشريعة الإسلامية في هذا المجال لتلبية كافة رغبات المتعاملين الذين يرغبون في البديل البنكي الإسلامي الشامل.

ويعتبر خطاب الضمان البنكي (الكفالة) من أهم منتجات التمويل الذي يكثر الطلب عليه وخصوصا من طرف مقاولات البناء والأشغال العمومية والشركات التجارية والصناعية وغيرها، ولذلك سنحاول من خلال هذا المقال معرفة الممارسة البنكية المستمدة من القانون والعرف البنكي في هذا المجال والرأي الفقهي في الموضوع الذي أدى إلى تطبيق البديل بالبنوك الإسلامية.

خطاب الضمان(الكفالة) من الناحية العملية

خطاب الضمان (الكفالة وهو الاسم المتداول) في الواقع الجاري به العمل هو رسالة ضمان من البنك تحمل توقيعين معتمدين، يصدرها البنك بطلب من المتعامل معه بعد دراسة ملفه، مفادها أنه يكفله في حدود مبلغ معين ولمدة محددة لدى الجهة المستفيدة ويسدد ما بذمته عند المطالبة بذلك.  وبالتالي، فهاته العملية تدخل ضمن التمويل البنكي الغير مباشر والمسمى أيضا التمويل بالتوقيع حيث يوقع البنك فقط على خطاب الضمان الممنوح للمتعامل بدل أن يمنحه مبلغا نقديا و بعد ذلك يتابعه للحصول على رفع اليد عن الكفالة أو ينفذها عند المطالبة بها، ويقيد في هاته الحالة المبلغ النقدي(مبلغ الكفالة) على حساب المتعامل.

ومن الناحية المحاسبية، يقيد البنك مبلغ الكفالة عند إصدارها ضمن التزامات المتعامل بالتوقيع. وفي حالة دفع مبلغها للجهة المستفيدة، تصبح قرضا مباشرا بالنسبة للمتعامل الذي لا يتوفر على غطاء نقدي لدى البنك لكفالته.

وكلمة غطاء نقدي تعني أن المتعامل يطلب إصدار خطاب الضمان من البنك بعد أن يوفر مقابله نقدا بحسابه والذي يقيده البنك لحساب تأمين كفالات المتعامل.

ويرغب عادة المتعامل مع البنك في هذا النوع من التمويل الغير المباشر(الكفالات) كبديل عن الإيداع النقدي لأنه سهل التداول، تطلبه مختلف الإدارات لضمان الجدية والتسديد، أو حسن التنفيذ، مما يوفر السيولة للمتعامل في حالة عدم تغطية الكفالة، ويضمن حقوق الجهة المستفيدة التي تثق بالبنك، ويزيد من الأرباح البنكية الناتجة عن أخذ عمولات الكفالات.

مضمون خطاب الضمان البنكي (الكفالة):

لابد أن يتضمن نص خطاب الضمان الصادر عن البنك العناصر الآتية والتي تشكل أركان الكفالة:

1- الكفيل: هو البنك المصدر للكفالة والذي يتعهد بدفع قيمتها عند أول طلب من الجهة المستفيدة منها.

2- المكفول: هو المتعامل مع البنك الذي ينبغي أن يطلب منه خطيا إصدار خطاب الضمان باسمه.

3-المستفيد: هو الجهة التي تصدر الكفالة لصالحها( إدارة -شركة -بنك…)

4- المبلغ: هو المبلغ الذي يلتزم البنك بدفعه كحد أقصى للمستفيد.

5-المدة: هي فترة صلاحية الكفالة حيث تنتهي عند تاريخ الاستحقاق، وتجدر الإشارة أن بعض الجهات الإدارية المستفيدة من الكفالات ترفض الإشارة إلى استحقاق الكفالة وبالتالي تبقى سارية المفعول ومقيدة ضمن التزامات المتعامل لغاية رفع اليد عنها.

6- الغرض: هو الغرض الذي تصدر من أجله الكفالة.

 أنواع خطابات الضمان (الكفالات) الرئيسية

الصادرة عن البنوك

البنك

 خطاب الضمان من الناحية القانونية:

خطاب الضمان الذي يصدره البنك هو التزام منه بأداء ما بذمة المتعامل في حالة عدم وفاء هذا الأخير بالتزاماته اتجاه المستفيد، وبالتالي فهو يكيف من الناحية القانونية على أساس أنه كفالة بنكية.

وقد ورد بالفصل 1117 من قانون الالتزامات والعقود بالمغرب: {الكفالة عقد بمقتضاه يلتزم شخص للدائن بأداء التزام المدين، إذا لم يؤده هذا الأخير نفسه}.

والبنك هو شخص معنوي يكفل بموجب نص خطاب الضمان المتعامل معه، ومن المفروض حسب التجربة العملية أن ينص هذا الخطاب بطلب من الإدارة المستفيدة أن كفالة البنك تقتضي التضامن مع المدين وبالتالي تخضع للقواعد القانونية المتعلقة بالتضامن بين المدينين، بمعنى لا يمكن للبنك أن يطلب في حالة مطالبته بالأداء  من الدائن (الجهة المستفيدة من الكفالة) تجريد المدين المتعامل معه من أمواله أولا.

والأصل في الالتزامات التجارية هو افتراض التضامن بين المدينين الذين يتسببون بتعاملهم في نشوء هذه الالتزامات. وهو ما قررته المادة 335 من مدونة التجارة، التي جاءت لتعزز ما ورد في المادة 165 من قانون الالتزامات والعقود من أنه يقوم التضامن بحكم القانون في الالتزامات المتعاقد عليها بين التجار لأغراض المعاملات التجارية، وذلك ما لم يصرح السند المنشئ للالتزام أو القانون بعكسه وخطاب الضمان (الكفالة) الصادر عن البنوك لا يصرح بعكس ذلك وإلا رفضه المستفيد.

وبالتالي، للحرص على مصداقية الكفالة في الممارسة البنكية، من المفروض عند المطالبة بالكفالة في حالة عدم وفاء المتعامل بالتزاماته، أن يقوم البنك بالتسديد فورا للجهة المستفيدة مع قيد المبلغ على حساب المتعامل ومتابعته في حالة عدم توفره على تغطية الكفالة أو على تسهيلات أخرى.

الكفالة ومسألة أخذ الأجر :

تستند البنوك بالمغرب في أخذ الأجر عن إصدار الكفالة على تعليمات بنك المغرب المنظمة للعمولات على الخدمات البنكية وعلى الفصل 1131 من قانون الالتزامات والعقود والذي ينص على مايلي: >من أسس الكفالة أن تعقد بغير أجر، وكل شرط يقضي بإعطاء الكفيل أجرا عن كفالته يقع باطلا، ويترتب عليه بطلان الكفالة نفسها.

ويستثنى من هذه القاعدة الكفالة التي تعقد بين التجار لأغراض التجارة، إذا سمح العرف بإعطاء أجر عنها<.

والبنك يعتبر تاجرا ولا يكفل في الواقع بموجب خطاب الضمان(الكفالة) إلا من يحمل الصفة القانونية للتاجر وبالتالي يأخذ أجرا تحت تسمية عمولة إصدار كفالات مادامت الكفالة مسجلة ضمن التزامات المتعامل على الشكل الآتي:

– بالنسبة للكفالة بغطاء نقدي 100% : يتقاضى البنك عمولة بنسبة 1% من قيمة الكفالة طيلة مدة صلاحيتها أولغاية رفع اليد عنها بالإضافة إلى استرداد المصاريف.

– بالنسبة للكفالة الصادرة بدون غطاء نقدي أو بغطاء جزئي ضمن سقف الكفالات الممنوحة للمتعامل مقابل ضمانات عقارية أو شخصية: يتقاضى البنك بالإضافة إلى المصاريف، عمولة بنسبة 2% من قيمة الكفالة لغاية استحقاقها أو رفع اليد عنها إذا كانت لاتحمل تاريخ صلاحية.

وفي حالة عدم الحصول على رفع اليد و تسديد هذا النوع الأخير من الكفالات لفائدة المستفيد يصبح تمويل المتعامل ضمن تسهيلات الصندوق مقابل سعر الفائدة الجاري بها العمل.

وتبقى نسبة العمولات المذكورة التي تقيد على حساب المتعامل كل ثلاثة أشهر خاضعة لقوة تفاوض المتعاملين مع البنوك ودرجة وعيهم بأهمية المنافسة البنكية في مجال التمويل.

التكييف الشرعي لخطابات الضمان ومسألة أخذ الأجر

رأي مجمع الفقه الإسلامي:

لا يمكن لأحد يبحث عن البديل الشرعي الحقيقي في مجال التمويل البنكي إلا أن يرجع إلى الاجتهاد الجماعي المعتمد في البنوك الإسلامية المتمثل في قرار مجمع الفقه الإسلامي ولذلك نرى نقله كما ورد لتعميمه وهو شارح لنفسه.

وهكذا جاء بخصوص خطاب الضمان في قرار المؤتمر الثاني لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في شهر دجنبر 1985 ما يلي:

أولاً :أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء، فهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالاً أو مآلاً، وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم: الضمان أو الكفالة. وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي: الوكالة، والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له).

ثانياً:  إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد به الإرفاق والإحسان. وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة، لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعاً على المقرض، وذلك ممنوع شرعاً.

وقرر المؤتمر مايلي:

أولاً: إن خطاب الضمـان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان -والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته- سواء أكان بغطاء أم بدونه.

ثانياً:  إن المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه جائزة شرعاً، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي، يجوز أن يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء.)

خطاب الضمان البديل لدى البنوك الإسلامية

يرى معظم الفقهاء كما جاء في القرار السالف الذكر، أن خطاب الضمان المغطى بالكامل من قبل المتعامل يصدر على أساس الوكالة، ويكون البنك في هذه الحالة قد قدم للمتعامل معه خدمة بنكية تتمثل في الالتزام بالوفاء بدينه إلى المستفيد، حيث إن ثقة المستفيد في البنك أعلى من ثقته في المتعامل بالإضافة إلى ما يوفره التعامل البنكي عموماً من أمان وثقة وضمان.

ويكون ما يتقاضاه البنك في هذه الحالة من قبيل الأجر الحلال على ما بذله من جهد وقام به من عمل.

وترى الهيئات الشرعية للبنوك الإسلامية كذلك، حيث أن البنك الإسلامي بنك تجاري، لاربوي، خاضع للرقابة الشرعية ويهدف لتحقيق الربح المشروع من وراء الخدمات البنكية، فإنه في حالة إصدار خطاب الضمان غير المغطى ولتفادي شبهة الربا لابد أن يتم إصداره في صيغة المشاركة أو المضاربة حيث يكون للبنك الكفيل نصيب من الربح بدل العمولة أو الفائدة (الربا) التي تبقى زيادة تنتج عن قرض تقليدي، مرفوضة شرعا مهما اختلفت التسمية وهكذا تم إيجاد البديل المتمثل في عقود لخطاب الضمان غير المغطى على شكل:

1- خطاب ضمان يقوم على أساس التمويل بصيغة المشاركة حيث يتم اقتسام الأرباح بين البنك والمتعامل حسب الاتفاق ويخضع الخطاب لمراجعة هيئة الرقابة الشرعية للبنك.

2- وبالإمكان كذلك إصدار خطاب ضمان يقوم على أساس التمويل بصيغة المضاربة التي سبق لنا التعريف بها في مقال سابق، وبهذا الخصوص أوصى الدكتور عبد العظيم حمدي في كتابه خطاب الضمان في البنوك الإسلامية، الطبعة الأولى بالقاهرة الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 1996 بتطبيق نموذج لخطابات الضمان التي تصدرها البنوك الإسلامية يعتمد على مايلي:

أ- اعتبار العميل طالب خطاب الضمان رب عمل في عقد مضاربة شرعية مع البنك (رب المال).

ب- عدم حصول البنك على أية عمولات، أو مصروفات مقابل إصدار خطاب الضمان للعميل.

ج- اقتسام أرباح المضاربة بين البنك والعميل بالنسب التي يتم الاتفاق عليها -سلفا- في عقد المضاربة الشرعية.

د- عدم رجوع البنك على العميل، طالب خطاب الضمان، ما لم يثبت تقصيره أو إهماله.

هـ- عدم تغطية خطاب الضمان، سواء بشكل جزئي، أو كلي.

و- يمكن تطبيق النموذج في حالة الأشخاص الطبيعية، والأشخاص المعنوية في نفس الوقت<.

وفي الختام، نرى أن مسيرة تقديم البديل الإسلامي في بلادنا في مجال التمويل البنكي

تحتاج أولا وقبل كل شيء إلى تدخل الفقهاء لتنوير المتعاملين وإلى إرادة فعلية من طرف البنوك و إلى المزيد من الجهود والمنافسة في هذا الميدان لتسويق كافة المنتجات البنكية الإسلامية البديلة القائمة(الإجارة والمرابحة والمشاركة) وغيرها بما فيها خطاب الضمان بالصور البديلة والعمل على نشرها بين المتعاملين بدل التركيز فقط على سياسة تكريس القرض التقليدي كمنتج وحيد لا بديل عنه، يحظى بالتسويق المفرط دون غيره.

ولن يتأتى ذلك بصورة فعالة إلا بالترخيص للبنوك الإسلامية بفتح فروع لها في المغرب لتشتد المنافسة بين البنوك في مجال المعاملات البنكية الإسلامية على العموم.

ذ. مصطفى حادق

خبير بنكي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *