تفسير سورة الطلاق -21- {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حمْلهن}


{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حمْلهن}

أحكام العدة وحكمها

سبق أن عرفنا عدة بعض النساء لا بأس بالتذكير بهن : فاليائس لها حكمها وهو ثلاثة أشهر، والصغيرة التي لم تعرف الحيض لها ثلاثة أشهر أيضا.

أمّا المرتابة فعدتها سنة.

والمعتادة التي تحيض وتطهر في أوقات مضبوطة لها ثلاثة قروء.

بقي الآن وضع آخر وهو حكم النساء الحوامل، فالمرأة إذا طلّقت أو مات عنها زوجها وهي حامل، فعدتها وضعُ حَمْلها، فإذا وضعت حملها أصبحت بريئة فيمكن أن تتزوج.

إن مقاصد العدة وحكمها عديدة يمكن تلخيصها في النقط التالية :

> الحرص على عدم اختلاط الأنساب، و هذه هي الحكمة الكبيرة المتجلية في العدة أولاً.

> إتاحة الفرصة للزوج المطلّق لعله يراجع زوجته بعد الطلاق داخل العدة.

> إعلان الحداد على الزوج المتوفى لمدة أربعة أشهر وعشر.

1-  إِذَن فالمقصود الأول التأكد من خلو الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وهو أسلوب من أساليب القرآن في محاربة الفساد، وفي محاربة الزنا، وفي إنشاء الترابط الاجتماعي لأن الترابط الاجتماعي يُبْنَي على معرفة الأنساب وصلة الأرحام، قال تعالى في صفة المومنين الرشداء {والذِين يصِلُون ما أمَر الله بِه أن يُوصل}(الرعد : 23) وقال سبحانه وتعالى في حق الأقرباء {وآتِ ذَ القُرْبَى حَقّه والمسكين  وابن السّبِيل}(الروم : 37) فكيف يصل الإنسان رحمه إذا لم يكن نسبه معروفاً؟؟!

2- ومن مقاصد العدة كذلك ترك الفرصة للمطلق لعله يرجع، لعله يتوب، لعله يراجع نفسه لأن الطلاق يمكن أن يحدث لغضبة فوّارة أو لنميمة شيطانية، أو لنزوة طائشة، فمدة العدة كافية للمراجعة، وذلك هو قول الله تعالى : {لا تَدْرِي لعَلَّ اللَّه يُحْدِثُ بعْد ذلك أمْراً}(1) وهذا الأمر هو ليـنُ القلب ومراجعةُ الموقف إلى غير ذلك من الأشياء التي تحدث بعد، خصوصاً أن الكثير من التوسّطات تحدث بعد أن يكون المطلِّق جرّب الفراغ، والمطلّقة جرّبت الفراغ، فيحدُث الندم الذي يعقبه وقوع الاستعداد للرجوع.

إذن الطلاق لا ينهي كل شيء، هذه المدة مدة العدة فرصة للتّأمل والتدبر.

لكن إذا تحقق أحد المقصدين وهو وضع الحمل، فقد تحقق المطلب الأهم وهو وضع الحمل فاكتفى به الشرع لأنه هو الأغلب والأهم، فوضع الحمل إذن يُلغي كُلَّ موْعد آخر مثل موعد عدة الوفاة التي يقول فيها الله تعالى : {والذين يتوفون منكم ويذرون أزْوَاجًا يتربَّصْنَ بأنفُسِهِنّ أربعة أشْهُرٍ وعشْرًا}(البقرة : 232).

فموعد أربعة أشهر وعشر يُلغى بوضع الحمل لأن براءة الرحم حصلَتْ، وذلك هو المقصد الأول والأهم من العدّة، وإن كان الصحابة أو الفقهاء من الصحابة اختلفوا، واختلف بعدَهم الفقهاء، فقد قال بعضهم : تعتد بأقصى الأجَلَيْن : >أربعة أشهر وعشرا، أو وضع الحمل< فإذا مات عنها زوجها وهي في الشهر الثاني أو الثالث من الحمل، فتنتظر حتى تضع حمْلها، وإن مات عنها وهي في شهرها الأخير، وولَدَت بعده بيوم أو يومَيْن أو شهر تنتظر أربعة أشهر وعشراً إلا أن الذي استقر الأمر عليه هو وَضْعُ الحمل، فهو يُلْغي كُلّ موْعد آخر، خصوصا وأن السنة النبوية صريحة في هذا فقد جاءت امرأة هي سبيعَة بنت الحارث -وكان زوجها قد مات أو قتل- ووضعتْ بعد موته بخمس عشرة ليلةً، وبعد أربعين يوما بدأت تتزيّن للخُطاب، فعاب عليها أقرباؤها ذلك، وقيل لها : إن عدتكِ لم تَنْتَهِ، فجاءت إلى رسول الله  تستفتيه، فقال لها : >قَدْ حَللْتِ فانْكِحِي< ولم يرُدَّ إلى أقصى الأجلين وهو أربعة أشهر وعشْر ليالٍ.

أ. د. مصطفى بن حمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *