الموت مصير كل حي فاعتبروا يا أولي الألباب


إن الموت مصير كل كائن حي {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}(الرحمان : 24- 25) فمهما عاش الإنسان وطال عمره، وتمتع بالدنيا ومباهج الحياة فلابد له من يوم لا يوم له بعده، والعاقل هو الذي يأخذ العبرة من مرور الأيام، والساعات فكل يوم يمضي إلا ويقربك من مصيرك الذي لابد لك منه >والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت< كما قال ، قال تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}(ق : 16- 18) فالحديث عن الموت وسكراتها تقشعر منها الجلود وترتعد بذكرها القلوب، لأنك أيها الإنسان تعلم علم اليقين أنك ستعيش سكراتها، فتخيل نفسك وأنت فيها تأخد العبرة من ذكرها، قال الإمام الغزالي في هذا الباب : >اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديراً بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوه وغفلته وحقيق بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، لاسيما وهو في كل نَفَسٍ بصدده<، وقال بعض الحكماء : كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك، فاستعد لسكرات الموت فقد كان  يقول : اللهم هون على محمد سكرات الموت، والمرء يبشر بجزائه عند الموت قال  : >إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، وإن الكافر إذا حضره بشر بعذاب الله وعقوبته<(رواه مسلم) وعن عائشة رضي الله عنها قلت قال  : >من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقلت  : يا رسول الله، أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، فقال : ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحبالله لقاءه، والكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه<.

وبخروج الروح يموت الإنسان ويترك وراءه الأمل والأحباب، والأصدقاء والأصحاب، وينتقل إلى دار البقاء وهذا هو مصير كل إنسان فـ{كل نفس ذائقة الموت}(الأنبياء : 35)، وتحدث الغزالي عن الموت فقال : >الحمد لله الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة، الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة، حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة، فنقلوا من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب  إلى التمرغ في التراب ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل، فانظر هل وجدوا من الموت حصناً وعزاً، واتخذوا من دونه حجابا وحرزاً<.

العبرة في كلام الصالحين وهم على مشارف الموت :

> لما جاءت أبا بكر ] الوفاة أتاه الصحابة رضوان الله علهيم فقالوا : ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ قال : قد نظر إلي طبيبي، وقال : إني فعال لما أريد، ودخل عليه سلمان الفارسي ] يعوده فقال : يا أبا بكر أوصنا، فقال : إن الله فاتح عليكم الدنيا فلا تأخذن منها إلا بلاغكم وبكى ] فقيل له : ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر فقد أحيا الله بك سنناً، وأظهر بك عدلا، فبكى ثم قال : ألست أوقف فأسأل عن أمر هذا الخلق، فو الله لو عدلت فيهم لخفت على نفسي ألا تقوم بحجتها بين يدي الله، إلا أن يلقنها الله حجتها، فكيف بكثير مما ضيعنا، وفاضت عيناه وقال أجلسوني فأجلسوه فقال : أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت « ثلاث مرات » ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأخذه النظر، فقيل له في ذلك، فقال : إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض رحمه الله.

> الإمام الشافعي وهو يودع الدنيا :

دخل المزني على الشافعي، في مرضه الذي توفي فيه، فقال له  كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال : أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله تعالى وارداً، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، ثم أنشد يقول :

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت رجائي نحو عفوك سلماً

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

بعفوك ربي كان عفوك أعظماً

فكلام الصالحين كله عبر وحكم للعاقل المعتبر، فسبحان الذي قال في محكم التنزيل {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}.

كفا بالموت عبرة :

فيجب علينا أن نأخذ العبرة مما مضى، فكم من أناس عاشوا قبلنا فماتوا، وكم من ملوك جبابرة عاشوا في الدنيا ففرحوا بها فحسبوها باقية فإذا بها فانية، فنقلوا من القصور الباهية إلى القبور الموحشة، فتركوا الأموال الطائلة وذهبوا إلى الأراضي المهلكة قال تعالى {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم}. فزوروا القبور فإن في زيارتها موعظة، والإكثار من ذكرها حكمة.

كان عثمان بن عفان ] إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فسئل عن ذلك وقيل له تَذْكُر الجنة والنار فلا تبكي، إذا وقفت على قبر تبكي؟! فقال : سمعت رسول الله  يقول : إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد<.

هكذا كان السلف الصالح يأخذون العبرة والموعظة من  زيارتها، أما نحن محبي الدنيا، وضعفاء الإيمان فنمر عليها وكأننا لن نموت وننسى أنها أول ما سنوضع فيه.

فيا أيها المسلم تخيل نفسك في قبرك والناس يمرون عليك، كما أنت الآن تمر على هذا القبر، فقد كان صاحبه يقف حيث أنت الآن واقف، حتى قيل : فيا سائلا عن أناس مضوا، أما لك فيما مضى معتبر فاستعد للموت فإنك لا تعلم متى تلقاه قال تعالى : {لمثل هذا فليعمل العاملون} ألا {فاعتبروا يا أولي الأبصار}.

خديجة أوسعدان

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *