العلماء والمثقفون يحتفلون بفاس عاصمة للثقافة الإسلامية


في ندوة : “فاس : معالم وأعلام” 

خلال أيام 23- 24- 25 ذو القعدة 1428هـ الموافق لـ4- 5- 6 دجنبر 2007م واحتفاء بمدينة فاس عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 1248هـ/ 2007م نظم المجلس العلمي المحلي لفاس فرع فاس المدينة بتعاون مع مجلس المدينة ندوة علمية في موضوع :

فاس والعلوم الإسلامية (معالم وأعلام)

وقد شا رك في هذه الندوة ثلة من العلماء والأساتذة  تناولوا من خلال أبحاثهم معالم فاس وأعلامها الأفذاذ الذين منحوا فاس هذه السمعة العالمية، كما ركزت أغلب المداخلات على أهمية جامع القرويين الذي تخرج منها هؤلاء العلماء الذين أثروا مكتبات العالم بمؤلفاتهم التي تحتاج اليوم إلى إعادة نشرها ودراستها، وقد دعا جل المشاركين في هذه الندوة إلى ضرورة إحياء القرويين. فكانت مداخلة السيد مستشار جلاله الملك د.عباس الجراري تدعو إلى ضرورة إحياء جامعة القرويين بإحياء أمجادها العلمية وإشعاعها على مختلف الآفاق، وكذلك إحياء جامعة ابن يوسف بمدينة مراكش.

أما السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية فبعد التنويه بهذه المبادرة أشار إلى أن الإصلاح ينبغي أن يشمل كل المناحي ولكنه إذا ما ارتبط بفاس فإنه يتجه إلى العلم والتعليم. وذكر عن الفقيه محمد بن الحسن الحجوي -من خلال كتابه الفكر السامي للفقه الإسلامي- وهو يتحدث عن إصلاح القرويين في بداية القرن العشرين الميلادي، فقد قدم إلى فاس وهو يريد إدخال إصلاح على جامعة القرويين فاعترضته مصاعب جمة. حيث عارضه آخرون وظل ينتظر مبادرة الملك محمد الخامس قدس الله روحه، وقد نقل السيد الوزير عن هذا العالم الجليل عبارة مشهورة هي : (كنا نبني في فاس وكان رجال في الرباط يهدمون بغير فاس).

فهل يمكن أن نقول الآن بأن تأخير إصلاح القرويين والتعليم الأصيلرغم جهود العلماء بفاس ناتج عن أعمال قوم في الرباط يملكون زمام الأمر في قضية التعليم؟!

أما العلامة عبد الحي عمور رئيس المجلس العلمي المحلي لفاس فقد أوضح أن الغاية من هذه الندوة هو رد الاعتبار للإرث الحافل بالعطاء العلمي الذي عرف العلماء والمفكرون قيمته الحضارية والإنسانية عبر عصور التاريخ الإسلامي والذي كاد يطويه النسيان، في غفلة عن التاريخ من شدة إهمالنا له بالرغم من أن نظائر مثل هذا التراث قد عز نظيره في العالم اليوم، مذكراً بأن فاس هي العاصمة العلمية والثقافية والروحية والحضارية للغرب الإسلامي، عاش في جنباتها وفي دروبها الضيقة علماء وفقهاء وكتاب وعباقرة مازال ذكرهم يملأ السمع والبصر ويثير الإعجاب ويبعث على الاعتزاز والفخر. ففي ثراها المخضب بأنواع المعرفة علماء وفقهاء واستوطن بيوتها ورياضها وضواحيها من العباقرة والمفكرين ما رصع جبينها ورفع شأنها وأعلى ذكرها. وذكر بأن القرويين عبر تاريخها الطويل جامعاً وجامعة تمثل أعرق جامعة إسلامية فتحت أبوابها أمام طلاب العلم وظلت الحصن المنيع للغة العربية وعلومها وثقافتها وآدابها من منطلق الارتباط الوثيق بالإسلام والعربية ليختم كلامه قائلا :

لابد من العودة إلى التراث الأصيل والذي أصبح مطلوبا اليوم نؤصّل به لهويتنا من جديد ونحفظ به قيمنا من الذوبان لا لننتشي به ولكن لنستلم منه إكسير الحياة لربط حاضرنا بماضينا واستشراف مستقبلنا.

أما رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله الأستاذ توفيق الوزاني فيرى أن سر بقاء فاس في شموخها غير عابئة بالطوارئ وهزات الزمن  مرده إلى أن هذه المدينة لم تكتف بتشييد أسس العمران والصناعة والتجارة بل أكترثت أيما اكتراث بترسيخ الدين والثقافة والأدب والعلوم وأن اسم فاس اقترن طيلة اثني عشر قرنا إلى يومنا هذا بمدارسها وخاصة بجامعة القرويين الغراء أول جامعة في العالم تدرس فيها العلوم الشرعية والعلوم الوضعية والعلوم الطبيعية وظل فقهاؤها وعلماؤها صفوة في ميادينهم يفتون ويستشارون من جميع بقاع العالم الإسلامي.

كما ذكَّر الحاضرين بأن الاحتفال بفاس لا يجب أن يكون احتفالا عابراً بل نريده ربطا متينا بين ماض مجيد وحاضر مزدهر ومستقبل واعد.

وأما الدكتور الشاهد البوشيخي في محاضرته “القرويين بين الحاضر والمستقبل” فقد أكد بأن فاس أخذت هذا الوسام واستحقته ولم يُتَصدّق عليها به، وإنما لسبب  أساسي هو وجود القرويين. القرويين هي التي أحدثت كل هذا وسببت كل هذا وبها عرفت فاس، وبفاس عرف المغرب، وكان هذا الإشعاع شمالا وجنوباً وشرقاً إنما بسبب الأصل الأساس الذي هو “القرويين”. فكان هذا المجد عبر التاريخ كله بالقرويين لا بسواه.

وأما مدير دار الحديث الحسنية الأستاذ محمد الخمليشي فقد صرخ أصالة عن نفسه ونيابة عن القرويين وعن العلماء وعن المغاربة مردداً : القرويين تستصرخ!! فمن يستجيب فمن يستجيب فمن يستجيب؟!

ولقد كان اعتراف العلماء المعاصرين بفضل القرويين وعلمائها القدامى جليا تبلور في كلمة الدكتور حسن الزين الذي قال : وإنه لحقيق علينا أن نحتفي بفاس القرويين وفاس الأندلس وفاس معاقل العلم الشامخة دار الافتاء ومنطلق أول مجلس علمي في هذه المملكة الشريفة، حقيق علينا شكراً لله رب العالمين أن نحتفي بها وبأعلامها الأعلام اعترافاً لهم بالجميل الذي به خلدت بإذن ربها بقعة طاهرة يذكر فيها اسمه ويتلى فيها كتابه وتقام بها حدوده وشريعته، وكانت كما أراد لها مؤسسها المولى إدريس رحمه الله تعالى العاصمة العاصمة ودار العلم والعلماء.

وقد استمرت أشغال الندوة على مدى ثلاثة أيام تذكر بالأمجاد والأعلام وتحث العلماء وطلبة العلم على التشبت بالأصل وتحذر من أخطار العولمة وكل ما يهدد ثقافتنا.

فهل تجد هذه الجهود وهذه الصرخات والنداءات من يسمعها؟

ذلك ما نرجوه.

وإن علماء المغرب وعلماء فاس قادرون إن شاء الله تعالى على رد الاعتبار وإعادة الأمجاد.

وإذا كانت القرويين سببا في إحياء الأمة فإنه من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم أن لا يتصل حاضرها بماضيها ومستقبلها.

ثم إن من قتل القرويين فقد قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.

إعداد : عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *