افتتاحية – {إنّ الذِين يُحِبُّون أن تَشِيع الفَاحِشة في الذِين آمَنُوا لهُم عذَاب ألِيمٌ فِي الدّنْيا والآخرَة}(النور : 16)


الفاحشةُ -وإن كانت تُطلقُ في أصْلها على كل شيء زائدٍ على الأمْر المعْتدِل أو المعْقُول- فقد أصبحتْ تُطْلَقُ على كُلِّ المعاصي والمنكرات، سَوَاءٌ كانتْ هذه المعاصي والمنكراتُ باطنيّةً كالنفاق، والرياء، والحسد، والحِقد، وظَنِّ السوء، والمَكْر،… أو ظاهريّة، كالكَذِب، والسّرقة، والزِّنا، وشرب الخمور، والرّشوة.. لأن هذه المعاصي والمنكراتِ انحْرافٌ وزيادةٌ عن الفطرة السليمة، وخروجٌ عن منهاجها المستقيم، وميزانها القويم.

إلا أن الفاحشَة صَارَتْ تُطْلَقُ أكثر على الزّنا، لأنها أعْظم انحراف عن الفِطرة الآدميّة السّوِيّة، وأكْبر سُقوط في المستنقَع البهيميّ المتوحّش الذي يُفسدُ العِرض والنَّسْل، ويحْلِق الحِشْمة والوقارَ والحياءَ، ويخْدِشُ الكرامة والمُروءة، ويقْتُل الضمائر وكُلّ المشاعر الإنسانية الكريمة التي تميِّز الإنسان عن الحيوان.

وإذا كانت كُلّ المعاصي والمنكرات -التي إذا تَفَشّتْ في المجتمع- قتَلَتْه أخلاقيّا وحضاريّا ومعنويّا، فإن فاحِشة الزِّنا تُهْدر الاعتبارَ الإنسانيَّ في الإنسان، فأيّ اعتبارٍ لامرأةٍ مُومِسٍ تبيعُ الشّهوة لهذا وذاك في سُعار مجنون لحُبِّ الدِّرهم والدّىنار، وتلهُّف مخْبولٍ لإرضاء نزَوات الفُجّار؟!

وأيُّ اعتبارٍ لزِير النساء الذي تلوكُه الألْسُن، وتلْعَنُه الرجُولة، ويتجنَّبُ مخالطتَه العُقَلاَءُ، وتُزّري بقَدْره سفاهَةُ السّفَهَاء؟!

وإذا كانَتْ الأممُ تُعْتَبر بقيَمها وأخلاقها، فإن الأمة الإسلامية سادَتْ بقيمِها وأخلاقها، وفتحت الأقطار والقارّات بمبادئها العالية، ومُثلِها السامية سواءٌ في العقيدة والعبادة، أو في الصِّدق والعَدْل والإنصاف، أو في غِنَى النفس والتعفُّف، أو التكافُل والإيثار.. فَما بالُكَ بالترفُّعِ عن الدّنايا، وتزْكية النّفْسِ وصوْنها عن الوقوعِ في المُحرمات، بلْ صونها عن الوقُوع في مجرَّد الشبُهات.

أمّا فاحشة الزِّنا فإن الإسلام سَدَّ في وجْهها جميعَ الأبواب حتى يعيش المجتمع المسلم آمناً على عِرْضه، مُطمئنّا على شرَفه، ونسْله، وأُسْرته، وكرامته، وشخصيته، وكيانه.

وإذا كان الإسلام سدّ أبوابَ الشّهوة الحرام، فإنه قَدْ فتَحَ أبْواب الشّهوة الحلال على مصاريعها لتكوين الأسر الصالحة التي هي أساسُ المجتمع الصالح، الذي هو أساسُ الأمة الصالحة، ذاتِ الرسالة المُكَرِّمة للإنسان تكريما لا مثيلَ له في الحال والمآل.

إلاّ أن الذين يحْمِلون ثقافة التخريب للإنسان أخْلاقيّاً ليتمكَّنُوا من السيطرة عليْه وتطويعِه لأهوائهم ما فَتِئُوا يتآمرُون على الأُمّةِ الإسلامية لإغراقها في الفواحش والمنكرات قَصْدَ تلهيتها عن رسالتها وشَغْلها بشهواتها السُّفلية والحيوانيّة حتى تخْرُجَ نهائيّاً من دائرة التنافُس الحضاري المُرقِّي للإنسان في إطار الحياة الكريمة سُمُوّاً ونُبْلاً وعدْلاً ومساواةً وإعلاءً للْقِيم الروحيّة الكفيلة بقمْع الطُّغيان الإنساني المتسلط على الإنسان قصْدَ استغلاله وإهانته.

وقد نجح الماكِرُون -مع الأسف- في مخططهم الإفسادي، نظراً للخواء الروحي الذي أصاب الأمة عَبْر قُرون الجُمود الفكري الذي عطَّل الطاقات، وقَتَل المواهب، واغْتَال رُوحَ التفكير في المصلحة العامة، ورُوح التربية الإيمانية على الإخلاص والصِّدق مع الله تعالى، والحِرْصِ على ابتغاءِ مرضاتِه أولاً وأخيراً في كُلِّ تعامُلٍ أسَري أو اجتماعي، وفي كُلِّ نشاطٍ حُكْمِيٍّ أو سياسيِيّ أو قضائيّ أو تعليميّ أو عسكريّ أو وعْظِيّ أو دعويٍّ أو تأسيس مشروع إصلاحيّ، على مختلف المستويات الجمعوية، والتنظيمات المجتمعية والحزبية… إلى غير ذلك من الميادين ذاتِ الهدفِ السامي البعيد المَدَى عمُوديّا وأفقيا، وذاتِ الأثر الكبير في تفجير الطاقات، وتفْعيل الأفكار، وتوليد الابتكار، وتشجيع أصحاب الهِمَم المتعلقة بآفاق السماوات العُلَى.

فكانت نتيجةُ هذا الخواء الروحي :

> جهْلاً مُطبقاً بروح الإسلام ورسالته السامية.

> وتشبُّثاً مقيتاً بمجرد الأشكال والطقوس والمراسيم بدون جَوْهر، والحرص على تلميع الظاهر، ولو كان الباطن مخرّبا تخريباً بشِعاً.

> استبدادًا قاتلاً لروح الإبداع، والاجتهاد، والنقد البنّاء، والمبادرات الخيّرة.

> وسقوطاً مُريعاً في مهاوي عبادة الذات، وعبادة الدرهم، وعبادة الشهوة والأهواء المريضة.

> إسْلاسَ القيادِ للماكرين الكبار الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

> قابليّةً مُقدّسة للغزو الفكري الاستعماري الذي لا يومن بدين، ولا يعرف حلالا ولا حراما، وإنما حياتُه مبنيّةٌ على الأهواء المقنَّنة.

ولوْ أن شعوبَنا ونُخَبنا وزعماءنا وقادتنا قلَّدُوا المستعمر فيما برَع فيه من التقدُّم العلمي المادي، والتقدّم الديمقراطي الذي لا يصادم دينَنَا وخُلُقنا لكنا رُشداء نعرف ما نأخذ وما نذر، ولكِنّا تركْنا -مُرْغَمين- ما ينْفَع، وأخذنا -مُكْرهين- ما يصيبُ أخْلاقنا ودينَنا وكياننا في الصّمِيم، فصُدِّر إلينا من السفالة والنذالة ما لا يرْضَى المستعمِرُ أن يُقِرَّه في سياسته جَهْرةً وعلانية كالاستبداد والمحسوبية والمحاباة والرُّشا وتكميم الأفواه وتقديس الزعامات إلى غير ذلك من الأمراض التي نخرَتْ مجتمعاتنا.

لكنّ موضوعنا الآن هو فاحشة الزّنا التي لم يُحرِّمها الإسلام فقط، ولكن حرَّم حتّى إشاعة أخبارها وترويج روايتها وحكايتها بدون دليل واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، بل أكثر من ذلك نجد أن الإسلام فَرَضَ حَدّاً مُؤلماً مُهيناً جارحاً لمن يقذف امرأة أو رجلا بهذه الفاحشة بدون أربعة شهود، صوْناً للأعراض، وحِرْصاً على كرامة الإنسان.

هَلْ معنى هذا أن المجتمعات المسلمة كانت خاليةً -في عصر من العصور- من هذه الفاحشة؟! كَلاّ، ولكن الرسول  أرشدنا إلى كيفية التعامُل مع الضعفاء أمام هذه الشهوة المريضة، فأرشد المُبْتَلَى بها إلى الاسْتتار وأرشد من اطّلع على سِرِّ من أسرار هذه الفاحشة أن يسْترها على أخيه مادام لَمْ يجاهِرْ بها، لأن الترويج لها فاحشةٌ أخرى.

هذا هو المنهج الإسلامي في التعامُل مع فاحشة الزنا : فاحشة بشهود أو إقرار لها حَدٌّ معلوم، ترويج وإشاعة للفاحشة إعْلاميا وإخباريا بدون دليل لها حدٌّ معلوم في الدنيا، وعليها عقاب أليم في الآخرة.

لكن المصيبة أن يُصَدَّر إلينا، ونقبل -راضين ساكتين- أن ممارسة هذه الفاحشة ومقدماتها وخواتمها حَقٌّ من حُقُوق الإنسان، وهنا انتقلنا إلى ما أخْبَر به الرسول  عندما قال : >كُلُّ أمَّتِي مُعافًى إلاالمُجاهِرِين، وإنّ من المُجاهَرة أن يعْملَ الرجُل عملاً، ثم يُصْبحُ -وقد سترَه الله- فيقول : يا فلانُ عمِلت البارحة كذا وكذا، وقد بَات يسْتُره ربّه، ويُصْبِح يكْشِف سِتْر الله عَنْه<(رواه الشيخان).

ويالَيْت مجتمعاتنا بقيت في حال المجاهَرة الفرْديّة، ولكننا انتقلنا إلى أحْوال الوقاحَة والمُتَاجَرة والدّعاية للسياحة الجنسيّة قصْد الاغتناء عن طريق بيْع الأعراض في أسواق النخاسة الحيوانية.

وكُلُّ هذا -أيضا- يَهُون أمام المجَاهرة بمظاهر اللّواط والشُّذُوذِ الجنسي الذي أصبحت أعْلامُه ترتفع بإشْهارمظاهره عن طريق إقامة الأعراس له مرّة هنا، ومرّةً هناك، ذبحاً للرجولة والأنوثة معا، ومسْخاً مسِيخاً للفطرة السويّة، وسعْياً لقتل الإنسان عن طريق قطع نسله، ونشر الأوبئة الفتاكة داخل كيانه.

فما المقصودُ من وراء إشهار هذه اللّوثة التي يترفّع عنها الحيوان؟!

المقصود :

1) إكْمَال الموجة الإفسادية إلى نهاية الطريق، والنهاية هي الدّمار.

2) العمل على نزْع فتيل الغَيْرة ليسْهُل التمييع والتّطبيع مع أقبح الفواحش.

3) القضاء على صفة الخيْرية المميّزة لهذه الأمة بفضل أمْرِها بالمعروف ونهيها عن المنكر حتى يصبح هذا الدّينُ غريباً، وأهلُه غرباءَ مقهورين، قال  : >وإنَّ مِنْ إِدْبارِ هَذَا الدِّين أن تجُْفُوَ القَبيلَةُ بأسْرِها، حتّى لا يُرَى فِيها إلاَّ الفقيهُ أو الفَقِيهان، فهُما مقْهُورانِ ذَلِيلانِ، إنْْ تَكَلَّما فأَمَرا بالمعْروفِ، ونَهَيا عن المُنْكر قُمِعا وقُهِرا واضْطُهِدُا، فهُما مقْهُورَانِ ذَلِيلانِ لا يَجِدان على ذلِك أعواناً ولا أنْصاراً<(الطبراني).

ألا نتقي الله عز وجل في مستقبلنا، ومستقبل أجيالنا، ومستقبل الإنسانية؟! وألا يتدخل المسؤولون للقضاء على كل مظاهر الانحراف؟!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *