وقفات مع فريضة الحج (1)


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله وصحبه والتابعين.

وبعد

فهذا مختصر لأعمال الحج والعمرة، أسأل الله تعالى أن ينفع به، اعتمدت فيه على الصحيح والراجح من فعل رسول الله ، وهو القائل: >خذوا عني مناسككم<(1)، فجاء المختصر  معززاً بالأدلة، معتمِداً على الكتاب والسنة وأقوال علماء الأُمة. والله تعالى أسأل أن يجعلنا من المخلصين في النية والقصد، وفي الأقوال والأعمال، كما نسأله جل وعلا أن يمن علينا وعلى إخواننا الحجاج والعمار بالقبول إنه أكرم مسئول وخير مأمول.

ثم أقول والله الموفق للصواب:

الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، فرضه الله على عباده بدليل قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً}( آل عمران 97). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله  : >بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان<(2) وحديث أبي هريرة ] قال: خطبنا رسول الله  فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله  : >لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم…<(3).

معنى الحج

الحج في اللغة، القصد يقال رجل محجوج أي مقصود(..).

وفي الاصطلاح الحج: القصد إلى بيت الله الحرام لأداء المناسك في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة.

فضل الحج

للحج عند الله فضل كبير وجزاء عظيم، فهو من أفضل الأعمال وبه تغفر الذنوب، وإذا كان مبروراً أدخل صاحبه الجنة، فعن أبي هريرة ] أن رسول الله  سئل : أي العمل أفضل؟ فقال:  >إيمان بالله ورسوله<، قيل ثم ماذا؟ قال : >الجهاد في سبيل الله<، قيل ثم ماذا؟ قال : >حج مبرور<(4).

وفي البخاري عن أبي حازم قال سمعت أبا هريرة ] قال: سمعت النبي  يقول: >من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيومَ ولدته أمه<(5).

وعن أبي هريرة ] أن رسول الله  قال:  >العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة<(6).

 المكلف بالحج

الحج فرض واجب على كل مسلم حر عاقل بالغ مستطيع، من الرجال والنساء، مرة في العمر(…).

وعلى هذا تكون شروط وجوب الحج: الإسلام والعقل والحرية والبلوغ والاستطاعة.

وعلى المرأة استصحاب محرم لها في الحج، كأب أو أخ أو ولد أو زوج، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي  يقول : >لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم<، فقام رجل فقال: >يا رسول الله اكْتتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، وخرجَتْ امرأتي حاجة، قال : >اذهب فحج مع امرأتك<(7). لكن إذا وجدت المرأة رفقة مأمونة  لزمها الحج، وقيل جاز لها حج الفرض دون النافلة….

ولا يجوز لمن يدعي الإيمان أن يترك الحج جاحداً، فإن الله عز وجل يقول:

{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}(آل عمران : 97).

قال بعض أهل العلم : الحج فرض على الفور، لا يجوز تأخيره للقادر عليه، فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل، أو أحدُهما عن الآخر، قال: قال رسول الله  :  >من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرَض المريض وتضِل الضالةُ وتعرِض الحاجة<(8)، وقال آخرون منهم القاضي عبد الوهاب: الحج فرض على التراخي، يؤخره السنة والسنتين وذلك استحسان ورفق لصعوبته…

ومن مات قبل أن يحج لم يلزم الحج عنه، إلا أن يوصي به. ويلزم النائب في الحج عن غيره أن ينوي به من ينوب عنه، ويُكره لمن لم يؤد فرض نفسه أن ينوب عن غيره(9).

ففي حديث ابن عباس أن النبي  : >سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبْرُمَة، قال : >من شبرمة؟< قال : أخ لي أو قريب لي، قال : >حججتَ عن نفسك<؟ قال لا، قال : >حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة<(10).

 شروط لابد منها:

على مريد الحج أو العمرة أن يخلص النية لله تعالى، وأن يتعلم المناسك ويستفسر من أهل العلم، وعليه أن يختار الرفقة الصالحة التي تعينه على الاجتهاد في أداء المناسك والطاعات، وعليه أن يصبر  على ما يحصل من رفقته أو غيرهم فلا يدخل في جدال ولا في كلام لا فائدة فيه، والله تعالى يقول:  {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}(البقرة : 197).

مواقيت الحج

للحج ميقاتان ميقات زمان وميقات مكان،

فميقات الزمان شهور الحج لقوله تعالى:  {الحج أشهر معلومات} وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة(11).

ولا ميقات للعمرة من الزمان، فيصح الإحرام بها في كل وقت من السنة(12).

وميقات المكان خمسة مواقيت منقسمة على جهات الحرم، وهي “ذو الحليفة وقرن المنازل” لأهل نجد، و”الجحفة” لأهل الشام ومصر والمغرب، و”يلملم” لأهل اليمن، و”ذات عرق” لأهل العراق وخراسان والمشرق. وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي  :  >وقَّت لأهل المدينة ذا “الحليفة”، ولأهل الشام “الجحفة”، ولأهل نجد “قرن المنازل”، ولأهل اليمن “يلملم”، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة<(13).

– ولا يجوز لمريد الإحرام إذا مر على بعض هذه المواقيت أن يتجاوزه ثم يحرم بعده، إلا إلى ميقات سواه، فإن تجاوزه رجع ما لم يحرم ولا دم عليه، فإن أحرم مضى ولزمه الدم ولا ينفعه رجوعه(14).

والإحرام من الحرم جائز لمريد الحج، ولا يجوز لمريد العمرة أن يحرم إلا من الحل فإن أحرم من الحرم كان عليه أن يخرج إلى الحِل ليجمع في إحرامه بين الحِل والحرم.

وفي إحرام القارن من مكة خلاف.

أنواع النسك

الحج باعتبار الإحرام ثلاثة أوجه: الإفراد، والتمتع، والقران.

فالإفراد هو أن يحرم الشخص بالحج فقط، فإذا وصل مكة طاف للقدوم ثم سعى للحج(15) ولا يحلق ولا يقصر، ولا يحل من إحرامه بل يبقى محرماً حتى يَحل بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد.

وأما القران فله صورتان: الأولى أن يحرم بعمرة وحج معاً.

والثانية أن يردف الحج على العمرة، بأن يحرم بالعمرة أولاً، ثم يُدخل الحج عليها قبل أن يركع ركعتي طواف العمرة(16)، وقيل قبل الشروع في طوافها(..). وأما التمتع فهو أن يحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، فإذا وصل مكة طاف وسعى للعمرة وحلق أو قصر، وبعد التحلل منها في شهر الحج يحج من عامه، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أفعاله.

وعلى كل من المتمتع والقارن هدي ينحره بمنىً، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر فمن لم يجده صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة أيام يصومها في أهله.

د. الوزاني برادعي

————–

1 رواه  مسلم من حديث جابر.

2  رواه البخاري في الإيمان 7، ومسلم في الإيمان 19، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد، كلهم عن ابن عمر.

3 ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) رواه مسلم 2380 والنسائي 2572 وأحمد 10199.

4  رواه البخاري في الإيمان 25 وفي الحج 1422 ومسلم في الأيمان 117 والنسائي في الجهاد 3069.

5  رواه البخاري في الحج 1424 وأحمد 7077.

6  البخاري في الحج 1650، ومسلم في الحج 2403، ورواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة.

7  رواه البخاري في الجهاد والسير2784 ومسلم في الحج2391.

8   أبو داود ابن ماجة في المناسك 2874، وأحمد 1737.

9  التلقين للقاضي عبد الوهاب، ص: 203

10  رواه أبو داود في المناسك 1546، وابن ماجة في المناسك 2894.

11  قيل جميعه وقيل العشرة الأول منه، وفائدة الفرق تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة عن أشهر الحج..

12  إلا في أيام منى لمن حج. فلا يجوز الاحرام بالعمرة.

13 رواه البخاري في الحج 1427، ومسلم في الحج 2022 أحمد 2906. قال ابن عمر وقاس الناس ذات عرق بقرن المنازل كما في مسند الإمام أحمد رقم 4223.

14  التلقين ص: 209.

15  يجوز للمفرد أن يؤخر السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة ولا بأس في ذلك.

16  التلقين ص: 209.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *