نساء في شموخ الرواسي – 34- كجبال الأطلس


لم أصدق نجاحي في مباراة للتوظيف بشركة أجنبية في الخارج، ولم أصدق أني في الرتبة الأولى.. سأحقق حلمي الوحيد، ألا وهو انتشال أسرتي من الفقر المدقع.. فقد مللت ذلك الكوخ، وذلك الحي القصديري الطافح بؤساً وقذارة..!

حزمت إرادتي قبل حقيبتي المتواضعة، وفي حلقي غصة فراق الأهل والوطن إلى مصير مجهول أمامي..

كان السفر عبر دول المغرب العربي، ثم إيطاليا، وأخيرا، البرازيل، حيث مقر الشركة.

مابدد بعضاً من غربتي، مرافقتي لزميلة وزميلين مغاربة..

فور التحاقي بالعمل، لم يصدق رئيس عملي أني الأولى على دفعتي، فأعد امتحاني للتأكد من كفاءتي، ولم يخيبني الله عز وجل!

كان الراتب مغريا، والسكن والأكل على حساب الشركة.. سأبعث بثلثي راتبي لأسرتي، أريد أن يكمل إخوتي دراستهم وأن يرحلوا عن ذلك الحي البائس.

كانت موظفة عربية مسؤولة عنا هناك، سواء في العمل أو في السكن وفي إدارة نفقات البيت والغذاء. وكانت وزميلتاي المغربيتان لا تفتران عن التدخين والسكر..

كان زملائي البرازيليون يسألونني عن حجابي وعن الإسلام، ولماذا أرفض التدخين واحتساء الخمر، في حين تدخن زميلتي وتسكر بشراهة؟! وهل الإسلام إسلامان..؟!

سعد زميل لي حين عرف أن الخمر حرام في الإسلام، لأنه هو الآخر لا يدخن ولا يقرب الخمر >كيف أتناول ما يتلاعب بعقلي، ويضر بصحتي؟!< .

سألني مرة -خلال رمضان- عن الصيام، ومما قلت له أني أثناء الصيام أشعر بمدى معاناة الفقراء الجياع.. ففاضت عينه، لأنه تَذكّر طفولته التعسة وأسرته الفقيرة.. فسألني : أتحبين الإسلام كما تحبين وطنك؟! وهل تدافعين عن وطنك إن تعرض لخطر ما؟!

أجبته : أجل، فحب الأوطان من الإيمان، أحب الإسلام، وأحب وطني، وأفديه بروحي كما فداه أجدادنا بأرواحهم!

صمت طويلا.. ثم علق : سأعتنق الإسلام يوماً ما!

وحين كنت أخرج، كان جل البرازيليين ينظرون إلي مشدوهين : أأنت إيرانية؟! وكانوا يربطون حجابي بالارهاب… لتشويه صورة الإسلام في وسائل الإعلام!!

خفت على نفسي، وقد تمادت زميلتي والمشرفة علينا في عبثهما ومجونهما.. لم نكن بعد نحصل على رواتبنا -نحن المغاربة- وكراء البيوت هناك غال.. فاضطررت أن أنجو بنفسي وبديني، فلجأت إلى زميليّ المغربيين.. رحبا بي، وسكنت غرفة في شقتهما.. وقد كانا بحق مثالا للاستقامة وحسن الخلق، لم أر منهما سوى الاحترام والتقدير.. وكنا لا نلتقي إلا عند الباب أثناء الخروج أو الدخول رغم أننا في شقة واحدة!!

كنا مرة في الطريق أربعتنا، فما أن سمع أحد التجار المغاربة لهجتنا حتى سارع إلى تحيتنا والتعرف علينا، لا أستطيع أبداً وصف الشعور في الغربة بلقاء مغربي (ولد البلاد) كما نقول!!

وأمام إلحاحه دائما على دعوتنا، لبينا دعوته، قدم إلينا عصيراً، ومن عادتي احتساء العصير بتؤدة، لاحظت حالة غريبة تنتاب زميلي، ظننتها حالة مرضية تفاجئه أحيانا، وقفت لأساعده على أخذ الدواء، وإذا بي أكاد أسقط.. ثم لاحظت أن زملائي كلهم يعانون الحالة نفسها.. خرجنا نتماسك بالجدار.. وقد شعرنا بصعوبة التنفس!

ماذا وضع لنا في العصير؟! الله أعلم.

وصار (ذلك التاجر) يتعقبني، عارضا علي خدمته :

– ستصبحين ثرية في ثوان… اشترطي أي ثمن.. المغربيات هنا مطلوبات… مرة واحدة وتصبحين أغنى امرأة في العالم!!

لم يخب ظننا.. الرجل نخاس رقيق أبيض!!

تضاعفت مخاوفي ومعاناتي.. فطلبت العودة إلى وطني، خاوية الوفاض كما ذهبت، دون أن أتقاضى أي أجر عن ستة أشهر هناك لكنني، بالمقابل، عدت أحمل زاداً ثقيلاً من الخبرات في الغربة، وكرامة مرفوعة كجبال الأطلس!

ومازلت في الحي القصديري نفسه، أكابد من أجل قوت أسرتي… لكنني معززة مكرمة!!

ذة. نبلية عزوزي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *