فـقـر القـيـم فـي الـمجتمع كـفـقـر الـدم فـي الأجـسـام


الفقر والفقراء

>الفقر عبارة عما يُحتاجُ إليه<(1) بناء على هذا التعريف يمكن اعتبار كل الناس فقراء، وعليه فالفقر أصناف ودرجات، لأن كل من فقد ما يحتاج إليه فهو فقير ولهذا يمكن أن يكون الفقير فرداً، أو جماعة، أو أسرة، أو إقليما، أو دولة، أو قارة، أو أُمّة، كل نوع حسب ما يحتاج إليه. ويترتب على كون الفقراء  درجات أن وقع الحاجة قد يشتدّ أو يخف حسب نوع المُحتاج ومقداره، ونوع الجهة المحتاجة، فحاجة الفرد غير حاجة الأسرة أو الجماعة، وحاجة الدولة غير حاجة الأمة أو القارة، وذلك أن حاجات بعض الدرجات الدنيا من الفقراء يمكن أن تلبيها جهات أعلى منها إذا كانت غنية وتنبهت لحالها. وهذا ما يحمل على الاعتقاد بأن أصنافاً من الفقر في المجتمع مّا تصْنَعُها سلكات اجتماعية غير حكيمة كالدولة مثلا إذا كانت لا تتحكم في ثروة البلاد، أو لا توزعها توزيعا عادلاً على العباد، أو الأسرة إذا كان عائلها سفيها مُبذراً، أو إقليما إذا كان أبناؤه موسومين بالخمول والكسل…

والملاحظ أنّ مفهوم الفقر تشترك في بنائه أو إزالته عناصر ثلاثة : أولها الفقير نفسه، وثانيها المادة المحتاجة وثالثها الجهة المسؤولة أو المكلفة بتلبية الحاجة، أو تسهيل مهمة الجهة المحتاجة لتتجاوز عتبة الفقر، أي امتلاك الحدّ الأدنى من وسائل العيش لتوفير الكرامة الإنسانية.

والملاحظ بالنسبة لمفهومي الفقر والغنى أنّه ليس ثمة فقر مطلق، ولا غنى مطلق فكل الناس مفتقر إلى الحق سبحانه قال تعالى : {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد}(فاطر : 15) وفي هذا السياق يقول الماوردي : >أعلم أن الله تعالى لنافِذٌ قُدْرَتُه، وبالغٌ حكمتَهُ، خلق الخلق بتدبيره، وفَطرهم بتقديره، فكانَ من لطيف ما دبَّر، وبديع ما قدّر، أن خلقهم محتاجين، وفطرهم عاجزين، ليكون بالغنى مُتفرداً، وبالقُدرة مختصّاً، حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق، ويعلمنا بغِنَاهُ أنّه رَازِق، فنَذْعَنَ بطاعته رغْبَةً ورهبة ونقر بنقصنا عجزاً وحاجة.

ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان، لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه، والإنسان مطبوع على الإفتقار إلى جنسه، واستعانته صفة لازمة لطبعه، وخِلْقَة قائمة في جوهره ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : {وخلق الإنسان ضعيفاً} يعني عن الصبر عما هو إليه مفتقر واحْتِمال ما هو عنه عاجز<(2).

 أنواع الفقر وأصنافه

أولا : باعتبار ما يُحتاج : أي ما يكون الإنسان محتاجا إليه وهو نوعان :

أ- فقر مادي : وهو عبارة عما يحتاجه الإنسان من مأكل، ومشرب أو ملبوس ومسكن، أو مركوب، ومعالج وغير ذلك من الأشياء المادية المحسوسة التي تقوم عليها حياة الإنسان المادية فرداً كان أو جماعة.

ب- فقر معنوي : وهو فقر القيم كالصدق والإخلاص، والأمانة، والعدل، والمروءة، وغيرها مما يقوّم الأخلاق ويحيي الضمائر، ويحسِّن سلوك التعامل بين الناس في الحياة.

ولكل نوع من أنواع الفقر المذكورين أسلوب علاجه بل الاحتياط منه بالنسبة لكل من خاف مقام ربه أو ألقى السمع وهو شهيد. أورد صاحب كتاب نبراس المرشدين مجموعة من الآيات والأحاديث والحكم والأقوال مما يشكل سياجا تربوياً للاحتياط من الفقر في المجتمع المسلم نقتطف منها ما يلي : >إن مما امْتَنّ الله به على عباده.. أن جعل لنا في الأرض معايش حسب ما نَطَق َ به الكتاب الحكيم إذ قال : {ولقد مكنّا لكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش} وقال : {وجعلنا النهار معاشاً}.

فبينت الآية الأولى أن من نعم الله علينا أن مكننا في الأرض، ومما فُسّر به التمكين : التمليك والقدرة، وجعل لنا فيها معايش، وهو ما به عيش الأجسام، ومنه الشراب، والطعام، وبينت الآية الثانية أنّ من نعم الله علينا أن جعل النهار مكاناً لما تحفظ به حياتنا (أي ظرف زمان مناسب لذلك) قال ابن عباس رضي الله عنهما >يريد تبتغون فيه من فضله، وما قسم لكم من رزقه< فالآيتان تدعوان إلى الكسب، وفي هذا المعنى جاءت آيات كثيرة، وأحاديث وفيرة أخذ بهُداها النبي  وأصحابه الأكرمون، وسلف الأمة الصالحون.. روى الدارقطني عن ابن عمر ] : >التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيئين والصديقين والشهداء يوم القيامة< وفي حديث آخر : >ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده، وأن النبي داود كان يأكل من عمل يده<(أخرجه أحمد والبخاري).

وأن من الواجب على المسلم أن يحتفظ بما له، لاصلاح حاله ومآله، قال تعالى : {ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما}، وقيام الشيء وقوامه ما يستقيم به ويحفظ.

والطريقة المثلى هي التي هدانا الله إليها بقوله : {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً}…

وفي الحديث : >ما عال من اقتصد<(رواه أحمد من طريق ابن مسعود).

وفي الحديث : >الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم<(أخرجه الخطيب في مكارم الأخلاق، والبيهقي عن ابن عمر<(3).

هذا النص غني بالتوجيهات التي ينبغي لكل عاقل أن يتأملها، ويسائل نفسه وفق مضمون تلك التوجيهات، وما يعلمه أو يشاهده، أو يعيشه في محيطه : {فاعتبروا يا أولى الأبصار}(الحشر : 2).

هذا بالنسبة للفقر المادي من بيع وشراء، وحرث وغراسة، وانفاق واقتصاد، مما رأينا أنه يكون سياجا منيعا دون المجتمع المسلم والفقر.

أما بالنسبة للنوع الثاني الذي أسميناه الفقر المعنوي فإنّه سياج السياج أي السياج الأصل الذي يحول دون وقوع أنواع من الفقر ويخفف من الأنواع التي لا مفر منها كفقر العجزة عن الإنتاج لعاهة من العاهات التي تصيب الإنسان فتخفض من قدرته على الانتاج أو تشل حركته بالمرة ليعيش عالة على غيره من أفراد المجتمع إنه سياج القيم المتمثلة في الأنافة والمروءة وعلو الهمم تلك الصفات السلوكية التي تتوفر في كل مجتمع أراد الله به نوعا من الخير، أو يريد به الخير كله عندما يرتقي إلى درجة التعبد بتلك القيم قال عليه الصلاة والسلام : >من يرد الله به خيراً يفقهه في الدّىن<(رواه البخاري ومسلم) وهو هنا دين الإسلام، وليس مطلق دين كما يحلو لكثير من الناس أن يعتبروه اليوم، أورد صاحب كتاب “دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي” (بخصوص ما يمكن أن يصاب به الإنسان من فقر معنوي) ما يلي : >فإن الإسلام رسالة قيم وأخلاق في الدرجة الأولى، حتى صح عن النبي  أنه قال : >إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق<(6) فحصر رسالته في هذه المهمة الأخلاقية، ولا غرو أن ربط الإسلام الأخلاق بالعقيدة حتى نفى الإيمان عمن لا أمانة له، وعمن بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع، وعمن زنى أو سرق أو شرب الخمر… وجعل من لوازم الإيمان صلة الرحم، وإكرام الجار…

كما ربط الأخلاق بالعبادات، وجعلها من ثمراتها وفوائدها، فإقامة الصلاة {تنهى عن الفحشاء والمنكر} والزكاة {تطهّرهم وتزكّيهم بها} والصيام >لعلكم تتقون< والحج لا ينال الله منه هدي ولا لحم ولا دم {ولكن يناله التقوى منكم}.

وإذا لم تؤت هذه العبادات أُكلها في الأخلاق والسلوك فقد فقدت قيمتها عند الله >رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع< >من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه<.

كما ربط الإسلام المعاملات بالأخلاق أيضا من الصدق والأمانة والعدل، والإحسان، والبر، والصلة، والمرحمة.

وربط الحياة كلها بالأخلاق، فلا انفصال بين العلم والأخلاق، ولا بين السياسة والأخلاق، ولا بين الاقتصاد والأخلاق، ولا بين الحرب والأخلاق، فالأخلاق لحمة الحياة الاسلامية وسداها.

ومثل الأخلاق : القيم، سواء أكانت قيما دينية ربانية، وعلى رأسها الإيمان بالله تعالى، وبرسالاته، وبالجزاء العادل في الآخرة وما يثمره هذا الإيمان من قيم من حب الله تعالى والرجاء في رحمته، والخشية من عقابه، والتوكل عليه، والاخلاص له.

أم كانت قيما انسانية مثل : الحرية، والكرامة، والعدل، ورعاية الفطرة، والاعتدال، أو الوسطية، واحترام الحقوق، والمساواة بين الناس، والرحمة بالضعفاء.. إلى آخر تلك المعاني الجميلة<.

بناء على ما ورد في النصين السابقين >نص صاحب كتاب نبراس المرشدين< ونص صاحب كتاب > دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي< يمكن أن نعالج أسباب الفقر العامة والخاصة المتجذرة في المجتمع كتربية الأجيال على حب العمل والكسب الحلال، وتربية الأفراد والجماعات على الأمانة والاقتصاد، وبثّ روح الأنفة وعلو الهمم في النفوس والضمائر لأجل الترفع عن الدنايا. وتسييج المجتمع بسياج من القيم الروحية الدينية والأخلاقية التي تجعل كل فرد في المجتمع يعرف ماله وما عليه، ويقف عند حدوده.

إنه مشكل القيم التي هي بمثابة فقر الدم بالنسبة لجسم الإنسان حيث تجتمع العلل والأمراض على الجسم المصاب بهذه العلة. فلا مناعة له ولا علاج يرجى إلا أن يتداركه الله بألْطافه. تلك حال المجتمع الذي لا يربي أبناءه على القيم، فهو فقير من هذه الناحية، وإن كانت أجسام أفراده تبدو للعيان في منتهى الصحة وكمال القوة، إذ يشكو باستمرار ما يصيبه من العلل والأمراض، وعبثا ما يقترح حلولا تلو الحلول لمشاكله والأمور لا تزداد إلا تعقيداً، والمشاكل استفحالا، إنها آفات الفقر المعنوي فقر القيم الدينية الربانية، وفقر القيم الإنسانية الصادقة >والفقر المتعوذ منه ليس إلا فقر النفس لما صحّ أن النبي  كان يسأل العفاف والغنى، والمراد به غنى النفس لا كثرة المال<(7).

وأخيراً يمكن أن نصنف الفقر الذي يصاب به مجتمع ما بناء على أسبابه إلى صنفين كبيرين :

أ- فقر مطبوع وهو الذي تحدثه الآفات التي تفوق قدرة الإنسان.

ب- فقر مصنوع وهو الذي يكون لجهة ما من المجتمع يد في صنعه كالكسل، وسوء التدبير، والتسلط

د. الحسين كنوان

—-

1-التعريفات للجرجاني، ص : 168.

2- أدب الدنيا والدين، ص : 132.

3- نبراس المرشدين في أمور الدنيا والدين تأليف محمد بشير النيفر، ص : 249- 250.

4- عن الخلق الكامل، ص : 93.

5- دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، د يوسف القرضاوي، ص 7.

6- رواه سعد في الطبقات والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب، ص 7 هامش 2.

7- عن الكليات لأبي البقاء الكفوي، ص 696.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *