ظاهرة الفقر : نحو تصور تكاملي (1)


تقديم

إن الحديث عن الفقر حديث عن أم الظواهر المقيتة وحديث عن أكثر الظواهر الإنسانية شيوعا وتعقيدا ؛ فكونه أم الظواهر المقيتة لأن الفقر هو الذي ينتج أغلب الاختلالات الاجتماعية والسياسية وسائر المفاسد والشرور ، وشيوعها يرجع إلى كون الفقر ظاهرة لا يخلو منها مجتمع إنساني مهما بلغ من الغنى والرفاهية والوفرة المادية بل تزداد اتساعا وانتشارا وتصنيعا بحكم وجود أنظمة سياسية واقتصادية ليبرالية أو اشتراكية من طبيعتها إنتاج الفقر وتصنيعه وتعليبه وتصديره إلى جميع ما يمكن أن يصل إليه نفوذها !! وأما تعقيدها فيرجع إلى كون هذه الظاهرة تتداخل أسبابها وتتشابك وتتنوع إلى حد يصعب عزوها إلى سبب معين دون أن يكون للأسباب الأخرى تأثير قوي ،كما تختلف المواقف منها وتتباين معالجاتها وتتقاطع الاتهامات.

ولعل أول ما ينصرف إليه معنى الفقر هو الجانب المادي المتعلق بالعوز والفاقة والاحتياج إلى ما يقيم أود الإنسان ويحقق ضروراته وحاجاته المعيشية من مال وما يدخل تحته من مكاسب تُكسِبُ المال أو تُكسَب به، وهذا الفهم للفقر  هو الأشيع  والأكثر تداولا وهو الذي تحاول الحكومات إبرازه على استحياء وتدعي “مكافحته” و”محاربته”وترفع من أجل ذلك شعارات براقة من قبيل “القضاء على الفقر”و”محاربة الفقر”و”التنمية المستدامة ” و”تشجيع الاستثمارات” و”تأسيس مؤسسات للتضامن وجمع التبرعات “… لكن هل ينحصر معناه في هذا البعد المادي أم يمكن أن يتعداه إلى مجالات أخرى؟وأين تتجلى مظاهر الفقر؟ وما هي أسبابه؟ وما هي إمكانات علاجه؟ وما هي حدودها؟

مفهوم الفقر من التصور التجزيئي إلى التصور الكلي والتكاملي 

يغلب على التقارير الدولية والوطنية وكذا البحوث والدراسات الأكاديمية تعريف الفقر تعريفا اقتصاديا بحيث يعرف بأنه العجز عن تحقيق القدر اللازم لسد النقص على مستوى تحقيق الضروريات و الحاجيات الملحة كالغذاء والمسكن والملبس والصحة والتعليم وما يوازي ذلك ؛ لكن يظهر أن الفقر أعقد من هذا وأشد تركيبا وأشمل إذ يتجاوز التحديد المادي والمالي لأن الأفراد والجماعات والشعوب لا تعاني من هذا النوع من الفقر فقط وإنما تعاني من جميع أنواع الفقر الأخرى ؛ ألا تعاني شعوبنا من الحرمان من حقوقها السياسية والفكرية؟ وأين المواطنون من التوعية السياسية الحقة؟ أليس الجهل والأمية السياسية مقصودة بذاتها وهي من أشد أنواع الفقر السياسي ضررا؟ أليست شعوبنا محرومة من الأمن الفردي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي…؟ ألسنا نفتقر إلى أبسط مقومات الصحة؟ ومَنْ مِنْ أفراد هذه الشرائح الاجتماعية العريضة قادر على حماية نفسه وأهله ومن هم في كفالته من تهديد الأمراض وضمان الحد الأدنى من الصحة؟ ثم أليس الفقر العلمي والصناعي والفكري والثقافي واحدا من أهم أسباب التخلف والتراجع، ومن أهم أسباب التبعية للأجنبي وللهزيمة بكل أنواعها النفسية والاجتماعية والحضارية ؟ ثم لماذا نتغافل عن الفقر الوجداني و”ندرة الموارد الأولية” لأخلاق التراحم والتعاطف والتكافل والتضامن الاجتماعي والإنساني؟ أليس هذا النوع من الفقر هو الذي يولد قساوة القلوب ويدفع إلى الحقد والتباغض والتعادي ويجعل المجتمع أشد تفككا وأقل تماسكا؟ ألسنا بحاجة لاحتضان فقرائنا _وكلنا فقراء _برحمة وعطف وأخوة كفيلة بإرجاع بسمة الأمل لهم وقمينة بأن تخرجهم من ظلمات الحقارة والمهانة والتهميش إلى نور الكرامة والعزة والشعور بالقيمة في الحياة والوجود والإحساس بلذة المشاركة في تدبير الشأن العام ونشوة الإبداع؟ بل أليس الفقر الديني واحدا من أخطر مظاهر الفقر وأنواعه التي خطط لها بدقة حتى تحرم هذه الشعوب من إشباع حاجاتها الروحية فسبَّب ذلك كله هذا الوضع المأساوي؟…

ما الذي يستفاد من هذا؟

لعل ما يمكن استفادته هو أن الفقر لا ينحصر معناه في النقص المادي والاقتصادي بقدر ما أن هذا النوع ليس إلا واحدا من أنواع كثيرة ربما تكون أخطر وأعمق لذلك وجب أخذ هذه الأنواع بعين الاعتبار كالفقر السياسي والأمني والاقتصادي والعلمي والثقافي والأخلاقي والقانوني والصحي والروحي وهي كلها أنواع متصلة ومتداخلة ومتراكبة تشكل تجليات متنوعة لشيء واحد اسمه الفقر ولذلك فإن أية معالجة للفقر تقتصر على المعالجة الاقتصادية تكون معالجة أحادية وقاصرة مآلها الفشل السريع دون أن تصل إلى الحل الجذري. ويتبين من هذا أن الفقر يتطلب معالجة شمولية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار جميع أنواعه وتشخص جميع مظاهره وترصد كل أسبابه وتجند له كل الإمكانات والطاقات في شكل مخطط شمولي واستراتيجي يجمع بين الآني المستعجل والمرحلي والاستراتيجي الدائم ، وبين الفردي والجماعي والاجتماعي ، وبين المحلي والوطني والدولي ، وبين المادي والمعنوي ، وبين الاقتصادي والسياسي والعلمي والتربوي والثقافي والأخلاقي… وإذا ثبت ذلك فما هي أهم الأسباب المنتجة للفقر في بلداننا؟

أسباب الفقر من التفسير الأحادي والتبريري إلى التفسير المتوازن والتحريري 

يقصد بالتفسير الأحادي التفسير الذي يرد ظاهرة الفقر إلى عامل واحد فقط و يهمل العوامل والأسباب الأخرى ، كما يقصد بالتفسير التبريري ذلك التفسير الذي يحاول البحث عن مبررات واهية لهذه الظاهرة ونسبتها إلى جهات معينة قد لا تكون هي المسؤولة – وحدها أو حقيقة- عن الظاهرة وذلك بقصد تبرئة الذمة والتفصي من المسؤولية والتفلت من المتابعة ، في حين يراد بالتفسير المتوازن الذي يحاول إبراز جميع الأسباب الفاعلة وبيان مسؤولية كل الأطراف المعنية كل بحسب حجمه وثقله وقوة تأثيره، وصفة التحريري يراد بها المعالجة التي تقتدر فعلا على تحرير الإنسان والمجتمع من أسر الفقر وقهره. ولا يدعي هذا المقال في حجمه هذا إدراك هذه الأمنية وتحقيق هذا الشرط في التفسير المتوازن والتحريري ولكن حسبه أن ينبه على ذلك.

وفي هذا السياق يمكن القول إن أسباب الفقر عالميا تتعدد بحسب خصوصية كل مجتمع وبلد لكن هناك كثير من الأسباب هي بمثابة القواسم المشتركة و بمثابة القوانين الثابتة بحيث إذا وجدت أسهمت بشكل كبير في إنتاج الفقر وتكريس مظاهره وتعزيز حالات وجوده وانتشاره.وسعيا نحو تحقيق هذه الشمولية يمكن تقسيم هذه الأسباب إلى مستويين يدخل في كل مستوى جملة من الأسباب :

أ- المستوى العمودي: تتدرج هذه الأسباب تصاعديا من الفرد إلى المجتمع إلى الدولة فالنظام الدولي ، وكل يتدخل بقسط معين  وذلك كالتالي :

– على مستوى الفرد : يظهر أن الفرد نفسه كثيرا ما يكون سببا في فقره عندما يركن إلى الاستسلام والتواكل ويقبل بالانهزام النفسي ويفقد الثقة في قدراته الذاتية ويضعف لدية الإيمان في التحدي وفي النجاح ، كما أن كثيرا من الأفراد بدل أن يعالجوا فقرهم تجدهم يلقون باللائمة على الآخرين من آباء ومسؤولين كمن يسب الظلام ولا يحاول أن يوقد شمعة !!   وكأن يتعاطى الفرد للمخدرات والخمور أو يكون مسرفا ومبذرا ولا يتقن فن الاقتصاد والتدبير المنزلي فينتهي به الحال إلى الاستدانة المستمرة والعجز عن تحقيق الاكتفاء الذاتي.. لكن هذا الحكم لا ينطبق على الجميع إذ هناك حالات من الفقر لا يتحمل فيها الفرد مسؤولية فقره كأن يكون من ذوي الاحتياجات الخاصة أو أن تكون أسباب فقره تتجاوز حدود إمكاناته، وكأن يكون له دخل ولكن لا يكفيه هو نفسه لسد حاجاته فكيف لو كان له عيال كثر؟! أو غير ذلك من الحالات والأسباب…

– على مستوى المجتمع : تأتي مسؤولية المجتمع وتدخله في تسبيب الفقر عندما تنتشر النزعة الفردية ومظاهر الصراع والتباغض والتحاسد والكراهية  وتضعف الروح الجماعية وتقل مظاهر التكافل والتضامن والتعاون والتآزر…كما يكون المجتمع مسؤولا عندما يسمح بانتشار الرذائل والجرائم وبيع الخمور والمخدرات وتفشي الظلم والجور مما يعقد المهمة على كل من يرغب في تجاوز فقره ويرفع معدل هدر الطاقات والجهود،كما أن المجتمع يسهم في إنتاج الفقر والزيادة في عدد الفقراء حين يكرس الجهل والتخلف والتبعية..

– على مستوى الدولة : تظهر مسؤولية الدولة في وجود الفقر واستفحاله في صور وحالات عدة منها طبيعة النظام السياسي الذي يكون نظاما استبداديا فيكون همه جمع الضرائب والاستحواذ على مصادر الرزق والاستئثار بها ، كما يزداد الفقر عندما تتحالف الطبقة الحاكمة مع الطبقة الغنية والمترفة وتصبح كل واحدة منهما أداة لتحقيق مصالح الأخرى لا غير ، سواء في الامتيازات أو في الاستثمارات أو في تشريع قوانين العمل والتجارة والأسعار تخدم الأغنياء دون الفقراء ناهيك عن الأثر الخطير تواطئهما على شل الجهاز القضائي والتدخل فيه ليكون غير عادل… كما تتجلى هذه المسؤولية في غياب مخططات شاملة وجادة وإرادات صادقة لمعالجة ظواهر الفقر بكل أنواعه مما يجعل المهمة تزداد صعوبة مع المدة ؛ هذا إذا أضفنا الأثر الخطير للوبيات الفساد المالي والإداري المتمترسة في كل المصالح الإدارية والمالية والقطاعات الحيوية وتعض على مناصبها بالنواجذ حتى لا تنفلت منها ، هذه اللوبيات هي التي  تكون مسؤولة عن هدر المال العام وتوزيعه بينها بطرق عديدة ليس فيها إلا التحايل على القانون وعلى الفقراء…ويزداد خطرها ويتعاظم مع غياب العدالة وآليات المراقبة والمحاسبة.

– على مستوى النظام العالمي : لم يعد خفيا الأثر المباشر للنظام الدولي والعالمي المعاصر في توجيه سياسات البلدان الفقيرة والتحكم في اقتصادياتها من خلال مجموعة من الوسائل لعل أبرزها يتجلى في التقسيم الدولي للعمل وإرغام الدول الفقيرة بالالتزام به ومراقبة أي مشاريع تنموية تحاول تجاوز المسموح به دوليا وتأسيس بنيات صناعية ثقيلة وذاتية وهذا التقسيم يحافظ على وضعية هيمنة الكبار وسيادتهم والزيادة في استحكام القبضة على الفقراء والضعفاء ، كما يتجلى في حرص هذا النظام على التحكم أيضا في مصادر المواد الأولية التي تتوفر عليها هذه البلدان الفقيرة (المعادن النفيسة ومصادر الطاقة مثلا) والاستحواذ عليها بالقوة العسكرية (حالة العراق وأفغانستان حاليا أو حالة المستعمرات في السابق) أو الاستئثار بها من خلال العقود التجارية والاقتصادية ذات الطابع القانوني أو من خلال الامتيازات المحصل عليها إما بحكم العلاقات الشخصية أو بحكم الضغوط على الحكام والحكومات في دول العالم الثالث. يضاف إلى هذا دور المؤسسات المالية الدولية (كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما) في فرض شروط قاسية وتعجيزية على الدول الفقيرة المستدينة يجعلها عاجزة عن تحقيق التنمية إذا وجدت النوايا الصادقة !! وأنى لها أن توجد في ظل وجود حكومات وحكام لا يعملون إلا على نهب الأموال المستدانة وتحويلها إلى حسابات رصيدهم الشخصي وتهريبها إلى البنوك الدولية نفسها دون محاولة استثمارها داخليا!! كما لا ينبغي أن نغفل الأثر السلبي للعولمة السياسية والاقتصادية في إضعاف الاقتصادات الوطنية المحلية وإبعادها عن الاستثمارات الداخلية لتتولى الشركات الدولية العملاقة وعابرة للقارات حق الاستثمار وحدها فيتم القضاء نهائيا على كل مواطن طموح في تنمية قدراته وتنمية مشاريعه الاقتصادية لأن هدف النظام العولمي الذي تقف وراءه هذه المؤسسات التجارية والشركات الإنتاجية الكبرى هو تحويل مجتمعات العالم ثالث إلى سوق استهلاكية واسعة ليس إلا.

يتبع

د. الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *