زواج المسلمة بغير المسلم في ضوء الكتاب والسنة(5) 1


المطلب الثاني: في شبهة الاستدلال بحديث ابن عباس في قصة زينب بنت رسول الله

هذا الحديث رواه أصحاب السنن الترمذي وأبو داود وابن ماجة، والدارقطني وسعيد ابن منصور بألفاظ مختلفة، في بعضها أنه  رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا، وفي بعضها ولم يحدث شهادة ولا صداقا، وفي بعضها أنه ردها إليه بعد سنتين، وفي بعضها بعد ست سنين(1). وهو حديث لا دليل فيه بجواز بقاء المسلمة في عصمة زوجها الكافر إذا أسلمت دونه، فضلا عن جواز إنشاء نكاح جديد بين المسلمة والكافر بصفة عامة أو الكتابي بصفة خاصة، كما يدعيه المستدلون بهذا الحديث وذلك لأمور عدة :

أولها: أنه  لم يردها إليه إلا بعد إسلامه، وهذا معناه أنه لو لم يسلم لم يردها إليه، وأنه في حال كفره كان ممنوعا منها ومن معاشرتها، ولهذا قال رسول الله  حين أجارته قبل ردها : أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له(2)، وهذا يدل على انفساخ النكاح وانقطاع العصمة التي كانت بينهما وصيرورتها أجنبية منه يحرم عليها تمكينه من نفسها، ولو كانت الزوجية باقية بينهما لما منعها، من معاشرته للقاعدة الأصولية : “إن السبب يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدمه”، وقاعدة “أن انتفاء المسبب يدل على انتفاء السبب” فالزوجية سبب في إباحة المعاشرة الجنسية وانتفاء حل المعاشرة دليل على انتفاء الزوجية.

وثانيها: أنه حديث مردود، قال فيه ابن عبد البر : هو خبر متروك، لا يجوز العمل به عند الجميع(3) وقال فيه الترمذي بعد روايته : لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من داود بن الحصين من حفظه(4) وقال فيه الخطابي : حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخة ضعفها علي ابن المديني وغيره من علماء الحديث(5)، وقال فيه ابن العربي : لم يصح في هذا الباب حديثا مسند العارفة(6).

وثالثها: أنه حديث منسوخ بقوله تعالى : {فلا ترجعوهن إلى الكفار، لاهن حل لهم ولاهم يحلون لهن} أو منسوخ بالإجماع كما قال ابن عبد البر(7).

ورابعها: أنها قضية عين لا عموم فيها ولا يقاس عليها لخروجها عن سنن القياس وضوابطه.

وخامسها: أن عمرو بن شعيب رواه عن أبيه عن جده وقال فيه : أنه  ردها إليه بنكاح جديد، وهو أرجح من حديث ابن عباس لأمرين(8) :

1- أنه مثبت وحديث ابن عباس ناف، والمثبت مقدم على النافي، والحافظ حجة على من لم يحفظ.

2- أن حديث عمرو بن شعيب تشهد له الأصول وتعضده بينما حديث ابن عباس خلاف الأصول.

وسادسها: أنه حديث خالفه راويه، فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : >إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه<(رواه البخاري) وفي رواية فرق بينهما(9).

ومن القواعد أن الحديث إذا خالفه راويه لا يحتج به لأنه لو كان خبرا محكما لا نسخ فيه لما خالفه وهو يعلمه ويحفظه وينشره ويرويه.

وسابعها: أنه إنما ردها إليه بالنكاح الأول لأن عدتها لم تكن قد انقضت وأن زوجها أسلم في عدتها كما رواه ابن لهيعة بسنده عن عطاء بن أبي رباح(10) ومن هنا قال المالكية ومن وافقهم : إذا أسلمت الزوجة ثم أسلم زوجها داخل عدتها، كان أحق بها من غير حاجة إلى رضاها ولا لولي ولا لصداق.

وثامنها: أن ردها إليه بالنكاح الأول كان قبل نزول قوله تعالى {فلا ترجعوهن إلى الكفار} كما قال الطحاوي(11).

وتاسعها: أنه حديث مؤول وأن معنى قوله ردها إليها أنه جمع بينهما كما قال ابن حزم، وأضاف إن إسلام أبي العاص كان قبل نزول آية {فلا ترجعوهن إلى الكفار}(12) لكن الصواب أنه أسلم بعد نزولها وبعد صلح الحديبية.

وعاشرها: أن معنى قوله : >ردها بالنكاح الأول< أنه ردها بمثل النكاح الأول لم يحدث شروطا جديدة لم تكن في النكاح الأول(13) وبذلك يزول التعارض بين الحديثين.

هذه الأجوبة وغيرها مما لم أذكره دليل على اتفاق العلماء وإجماعهم على تركه وعدم العمل به كما قال ابن عبد البر وإنما يبقى الكلام في بيان وجوه رده.

 المطلب الثالث: في شبهة الاستدلال بتقريره  العرب على من أسلم من زوجاتهم قبلهم وعدم تفريقه بينهم

هذا القول وهذا الاستدلال نقله ابن حزم عن بعضهم وبالغ في رده، وقال : إنه لا يوجد خبر صحيح يدل على أنه  أقر كافرا على زوجة أسلمت قبله أو أسلم هو قبلها(14) وأما ما يروى من إسلام زوجة عكرمة بن أبي جهل وزجة صفوان بن أمية قبل إسلام زوجيهما وإقرارهما على نكاحهما فقد أجاب عنه جمهور المالكية ومن وافقهم بأنه  إنما أقرهما على نكاحهما لأن عكرمة وصفوان أسلما قبل انقضاء عدة زوجتيهما وكل من أسلم في عدة زوجته فهو أحق بها(15).

وأجاب عنه ابن حزم بأنه لا دليل على أنهما بقيا على نكاحهما ولم يجددا عقدا، ولم يات خبر صحيح متصل أن النبي  عرف ذلك وأقرهما(16).

المطلب الرابع: في شبهة الاستدلال بحاجة المسلمين إلى ذلك في بلاد الغرب وأن ذلك قد يؤثر إيجابا على إسلام الزوج ومن يحيط به

هذه الشبهة من بين الشبه التي يراد من ورائها تضليل الناس وإقناعهم بفائدة هذا الزواج ومصلحته، وهي كما ترى شبهة تتكون من شقين، وتتفرع إلى شبهتين :

1- احتياج المسلمين إلى هذا الزواج في بلاد الغرب.

2- احتمال تأثير هذا الزواج في  إسلام الزوج ومن يحيط به.

وهي شبهة باطلة وغير صحيحة بشقيها معا،

أما دعوى الحاجة إلى ذلك في بلاد الغرب فيردها عدة أمور :

الأول منع هذه الحاجة فأية حاجة تدعو المسلمة إلى الزواج بالكافر، بينما المسلمون يدعون بالآلاف في بلاد الغرب، وبالملايين في بلدها الأصلي، سيما إذا علمنا أن الحاجي بمعناه الأصولي، ومفهومه الشرعي المعتبر في مقاصد الشريعة الإسلامية هو الأمر المفتقر إليه الذي يؤدي منعه إلى الوقوع في الحرج والمشقة، ولا يوجد ما يرفع تلك المشقة غيره، كالبيع والقراض والإجارة، وغير ذلك من الحاجيات.

فهل زواج السلمة بالكافر يؤدي منعه إلى المشقة والحرج؟ وهل الزواج بالمسلم لا يرفع هذا الحرج، ولا يدفع هذه المشقة؟ حتى يقال : إن الحاجة تدعؤ إلى هذا الزواج، ويبرر بهذه البساطة وهذه السهولة ويفتي بجوازه وتجاهل نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة المتفقة على تحريمه.

ثم ثانيا فإن الحاجات لا تبيح المحظوات ولا تحل المحرمات، وخاصة إذا كانت الحاجة غير عامة وتختص بشخص بعينه.

وثالثا فإن إباحة المحظورات عند الضرورات أو الحاجات العامة عند القائلين بها مشروطة بتعذر المباح واستحالة الوصول إليه، كما هي مشروطة بالخوف على النفس من الهلاك أو الوقوع في مشقة لا تطاق.

ولاشك أن المسلمة لا يتعذر عليها الزواج بالمسلم، ولكنها تفضل عليه غيره لأسباب قد تكون عاطفية أو اجتماعية أو اقتصادية، وهي كلها أسباب لا تبيح المحظورات، وبالتالي لا تبيح الزواج بالكافر.

ورابعا فإن إقامة المسلمة في بلاد الكفر واختيارها العيش بها في ظل أحكامها وقوانينها المخالفة للشرع كل ذلك ممنوع شرعا، يتنافى مع مبادئ الشريعة وأحكامها.

ومن القواعد أن المعصية لا تكون سببا مبيحا للرخصة الشرعية، كما يدل على ذلك قوله تعالى : {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}(البقرة : üü) فإن مفهومه أن الباغي والعادي لا حق لهما في الرخصة، ولا ينجوان من الإثم إذا ارتكبا حراما ولو كانا مضطرين.

هذا عن الشق الأول من هذه الشبهة.

وأما الشق الثاني الذي هو احتمال تأثير هذا الزواج في إسلام الزوج ومن يحيط به فإنه يرده :

أولا أن هذا الاحتمال وهذا الطمع في إسلام الزوج هو أبعد من البعيد، وأندر من النادر، وأقرب من المستحيل لا يكاد يصدّق أو يقع، لأن هذه المرأة لا يمكن الاعتماد عليها في هذه المهمة، ولا الثقة بها أو الاطمئنان إليها في دعوة زوجها، ولا تستطيع أن تفعل شيئا لإقناع زوجها بدينها، إذا علمت أنها خالفت تعاليم الإسلام وتحدت شريعته وتمرَّدَتْ على أحكامه لتتزوج كافرا، وهي تعلم أن ذلك حرام وممنوع، فهل يرجى من هذه المرأة أن تكون داعية للإسلام وقد برهنت على عدم احترامها له وعدم التزامها به.

وثانيا فإن هذا الاحتمال البعيد والأمل الضعيف أو هذه المصلحة المرجوة لا يمكن لذلك كله أن يكون مبررا كافيا لهذا الزواج ولا سيما مقبولا للفتوى بجوازه طبقا للقواعد الأصولية والفقهية التالية :

1- أنه لا يجوز ارتكاب محرم لتحصيل واجب أو مندوب.

2- أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

3- أن الغاية لا تبرر الوسيلة.

4- أن إسلام الزوج مصلحة غير محققة فقد لا يسلم، وقد تكفر الزوجة أو تتخلى عن الواجبات وتتعاطى المحرمات تجاوبا مع زوجها الكافر، ومن القواعد أن المصالح الموهومة والمشكوكة لا تعتبر ولا يبنى عليها حكم.

5- إن العلل الشرعية التي يبنى عليها الحكم الشرعي ويعلل بها يجب أن تكون موجودة في محل الحكم قائمة به كالإسكار في الخمر والاضرار بالغير في البيع على البيع، ولا يكفي فيها مجرد الاحتمال، ولهذا يقول الأصوليون والفقهاء : العلة يلزم من وجودها وجود الحكم ومن عدمها عدمه، ولا شك أن إسلام الزوج مجرد احتمال وأمل فلا يصح جعله سببا وعلة والاحتجاج به لإباحة زواج المسلمة بالكافر.

6- وأخيرا فإن الإفتاء بجواز زواج  المسلمة بالكافر وتبرير ذلك بأنه قد يؤدي إلى إسلام الزوج مخالف للكتاب والسنة والإجماع كما سبق بيانه فهو اجتهاد في محل النص، ولا اجتهاد في محل النص كما يقول الأصوليون وغيرهم.

د. محمد التاويل

—-

(ü) أستاذ كرسي بجامع القرويين وعضو المجلس العلمي المحلي بفاس

1- انظر نيل الأوطار 6.

2- سبق تخريجه.

3- التمهيد 24/2.

4- الترمذي 305/2.

5- معالم السنن 223/3.

6- عارضه الأحودي 73/3.

7- التمهيد 21/12.

8- معالم السنن 223/3، التمهيد 24/12.

9- البخاري بشرح الفتح 420/9.

10- المدونة 212/2.

11- الفتح 424/3.

12- التمهيد 24/12.

13- التمهيد 21/12.

14- المحلى 315/7.

15- المحلى 315/7.

16- المحلى 315/7.


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “زواج المسلمة بغير المسلم في ضوء الكتاب والسنة(5)