زواج المسلمة بغير المسلم في ضوء الكتاب والسنة (5)


الرد على شبهات من يجيز زواج المسلمة بغير المسلم

المطلب الخامس : في شبهة التشجيع على الإسلام

هذه الشبهة قد يرى فيها البعض مسوغا مقبولا للفتوى بإباحة بقاء الزوجة مع زوجها إذا أسلمت دونه تشيجعاً لغيرها من الزوجات الكافرات، وخاصة  إذا كان زوجها لا يمنعها من ممارسة دينها وشعائرها كما قيل.

إلا أن هذا لا يمكن اعتباره مسوغا شرعيا ومبررا مقبولا لهذه الفتوى لما سبق من أنه :

– لا يجوز ارتكاب محرم لتحقيق واجب.

– وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

– وأن الغاية لا تبرر الوسيلة.

– وأنه لا اجتهاد في محل النص.

بالإضافة إلى أنه ليس من مبادئ الإسلام التشجيع على اعتناقه والدخول فيه بانتهاك شريعته والتنازل عن أحكامه أو تعطيلها لكسب رضا الناس واستيلافهم الدخول فيه، فقد عرضت ثقيف إسلامها على رسول الله  على شرط أن لا يصلوا فلم يقبل منهم ذلك، وقال : >لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود<(1).

وسئل مالك عن من يتزوج أمة وهو قادر على التزوج بحرة، فقال : يفرق بينهما، فقيل له إنه يخاف العنت، فقال : السوط يضرب به(2).

ومعنى هذا أنه لا يجوز الترخيص لأحد في الزواج إذا لم تتوفر شروطه، ومن يتخذ ذلك فالحد يردعه.

المطلب السادس: في شبهة اختلاف العلماء

هذه الشبهة كسابقاتها مردودة من وجوه:

أولا : اختلاف العلماء ليس مطية سهلة يركبها كل أحد، وليس بابا مفتوحا في وجه كل من يريد التهرب من الحق والصواب ومذهب الجماعة والالتجاء إلى غريب الأقوال وشواذها، تحت ستار التيسير أو شعار اختلاف العلماء رحمة، فإن الرسول  يقول : >عليكم بالسواد الأعظم<، ويقول : >يد الله مع الجماعة<.

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم ينكرون على الواحد والاثنين مخالفتهما للجماعة، وكان مالك يحذر من غريب العلم، ويقول الأصوليون : العمل بالراجح واجب، ومن هنا منع العلماء العمل والافتاء والقضاء بالقول الضعيف والشاذ ورأوا ذلك خطأ كبيراً ممن يفعل ذلك، يقول ابن الصلاح : >اعلم أن من يكتفي أن يكون في فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجة في المسألة، ويعمل بما شاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع(3)، ونحوه للقرافي وغيره من علماء الأمة كلهم لا يجيزون الإفتاء بالشاذ، وبالغ متأخرو المالكية فأوجبوا نقض حكم القاضي إذا حكم بالشاذ كما قال صاحب العمل الفاسي

حكم قضاة الوقت بالشذوذ

 ينقض لا يتم بالنفوذ

وثانيا: فإن الترخيص في العمل بالشاذ والإفتاء به من شأنه أن يؤدي إلى فوضى وفتنة، فإن الأقوال الشاذة والضعيفة كثيرة في العبادات والمعاملات والحدود ومصالح الناس متعارضة متضاربة.

فإذا أعطي لكل أحد الحق في العمل بما شاء من الأقوال أو يفتي بما شاء من المذاهب الشاذة بحجة اختلاف العلماء رحمة، فعلى الأمة السلام لأنه سيوجد من يفتي باستباحة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ويعمل بذلك تقليدا لأقوال شاذة وضعيفة، ولا منجى من ذلك إلا بالتزام القول الراجح وإلزام الجميع به.

وثالثا: فإنه لا خلاف بين العلماء في منع ابتداء زواج المسلمة بالكافر كتابيا أو غيره، والخلاف بينهم خاص بمن أسلمت دون زوجها يفرق بينهما أو تبقى معه.

فقال ابن عباس وجابر بن عبد الله يفرق بينهما بمجرد إسلامها، وهو قول لعمر وعلي رضي الله عنهما وهو مذهب ابن حزم من الظاهرية والشعبي.

وقال مجاهد إن أسلم زوجها قبل انقضاء عدتها كان أحق بها وإن انقضت عدتها قبل إسلامها فرق بينهما وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول الزهري أيضا. وفي رواية عن عمر ] يعرض الإسلام على زوجها فإن أسلم فهي زوجته، وإن أبى فرق بينهما، وفي رواية ثالثة عن عمر ] تخير إن شاءت فارقته وإن شاءت بقيت معه. وعن علي ] أنه أملك ببعضها ما لم يخرجها من دار هجرتها رواه عنه الشعبي وأخرجه سعيد بن منصور في سننه(4) وابن أبي شيبة(5). وقال داود الظاهري هي زوجته ويمنع من وطئها، وعن الزهري أنهما يقران على نكاحهما إلا أن يفرق بينهما سلطان.

وهكذا يتبين أن المخالفين في هذه المسألة هم علي وعمر والزهري وداود الظاهري والشعبي. أما داود فلا يبيح له وطأها ما دام لم يسلم وأما علي وعمر والزهري والشعبي فكلهم روي عنهم القول بالتفريق بينهما كما رأينا ومن القواعد الأصولية أن المجتهد إذا نقل عنه قولان متعارضان في مسألة واحدة ولم يعلم المتقدم من المتأخر فإنه لا يجوز العمل ولا الإفتاء بأي واحد من القولين يقول القرافي رحمه الله : “… وإذا لم يعلم التاريخ ولم يحكم عليه برجوع ينبغي أن لا يعمل بأحدهما، فإنا نجزم بأن أحدهما مرجوع عنه منسوخ، وإذا اختلط الناسخ والمنسوخ حرم العمل بهما، كاختلاط الميتة بالمذكاة، وأخت الرضاع بالأجنبية، فإن المنسوخ لا يجوز الفتيا به، فذلك كله من باب اختلاط الجائز والممنوع، فيحرم الفتيا حينئذ بتلك الأقوال حتي يعلم المتأخر منها”(6).

ورابعا : فإن هذه الأقوال على تسليم صحتها وعدم رجوع أصحابها عنها فإنه لا يصح الاحتجاج بواحد منها لمخالفتها لقوله تعالى : {فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن} وللأحاديث السابقة.

فهي اجتهادات في محل النص، ولا اجتهاد في محل النص، ولهذا انتقد سعيد بن منصور قول الشعبي : تقر عنده لأن له عهدا، وعلق عليه بقوله : بيس ما قال(7)، وبهذا يتبين أن هذا الخلاف الشاذ لا يبيح الإفتاء بجواز بقاء الزوجة المسلمة في عصمة كافر يعاشرها معاشرة الأزواج لزوجاتهم بدعوى وجود الخلاف وانعدام الإجماع. وقديما قيل :

وليس كل خلاف جاء معتبرا

إلا خلافا له حظ من النظر

ولهذا حكى غير واحد الإجماع على حرمة بقاء المسلمة في عصمة الكافر إذا أسلمت ولم يعتبروا هذا الخلاف الشاذ المخالف للكتاب والسنة.

المطلب السابع : في شبهة ارتكاب أخف الضررين

هذه الشبهة احتج بها بعض المفتين حين أفتى أمريكية أسلمت دون زوجها، فلما قيل لها حرمت على زوجك، ويجب عليك أن تفارقيه، قالت : إما أن توافقوا على بقائي مع زوجي وإلا عدت إلى ديني ونصرانيتي، فأفتاها هذا البعض بالبقاء مع زوجها ومعاشرتها له، ورأى أن المعاشرة المحرمة أخف من الكفر، واستدل لذلك بهذه القاعدة الأصولية : “إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما”.

وهي فتوى باطلة، والاستدلال بالقاعدة المذكورة استدلال فاسد، وتنزيل لها في غير محلها وتحريف لمفهومها فإن موضوع هذه القاعدة كما يقرره الأصوليون هو عندما يقع الإنسان في ضرورة تنسد فيها الطرق المباحة والأبواب المشروعة ولا يبقى أمامه للخروج مما هو فيه إلا خياران وسبيلان كلاهما ضرر، ولكن أحدهما أخف من الآخر فهنا يجب عليه اركتاب أخف الضررين للخروج مما هو فيه، ولا يجوز له ارتكاب أثقلهما وأكبرهما، وهنا تأتي قاعدة إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما، لأنه مضطر لأحدهما والضرورات تبيح المحظورات، ولكن يجب الأخذ بالأخف والأصغر لأنه أقل ضررا، ولا يجوز ارتكاب الضرر الأكبر مع إمكان الأصغر لعدم الاضطرار إليه كالمضطر لا يجد إلا الميتة والخنزير فإنه يأكل الميتة.

ولا شك أن الأمريكية التي أسلمت دون زوجها ليست مضطرة إلى أحد الضررين حتى يفتى لها بإباحة البقاء مع زوجها الذي هو أخف من الكفر لأنها بإمكانها أن تفارق زوجها وتتخلص من الضررين معا، الأخف والأثقل : ضرر الردة والعودة إلى الكفر الذي تهدد بالرجوع إليه، وضرر العيش في زنا دائم مع رجل كافر فرق الإسلام بينها وبينه، وهدم ما كان بينهما من نكاح بقوة الشرع أحبت أم كرهت، وتهديدها بالرجوع إلى الكفر إذا لم يبح لها البقاء مع زوجها لا يصح أن يكون مبررا للترخيص لها في الاستمرار في معاشرة زوجها والعيش معه.

وكان واجب المفتي أن ينصحها ويصارحها بأن الإسلام لا يبيح لها البقاء مع زوجها لقوله تعالى : {فإن علمتموهن مومنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} كما أنه لا يبيح لها الرجوع إلى دينها الأول ويعتبر ذلك ردة يعاقب عليها بالقتل كما قال  : >من بدل دينه فاقتلوه<(رواه البخاري وغيره).

أما أن يسترضيها ويستجيب لرغبتها ويفتيها بالبقاء مع زوجها فذلك خيانة لها وللإسلام، وقد قال  : >المستشار مؤتمن<، وقال : >من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه< وقال : >من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه<(رواهن أبو داود 321/3 – 333/4).

د. محمد التاويل

—-

1- تفسير القرطبي 109/19.

2- نفس المرج 90/5.

3- نور البصر 125.

4- üüü 46.

5- المحلى 313/7.

6-  شرح التنقيح 419.

7- سنن سعيد 47/2.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *