خواطر عابرة – نبوغ في غير محلّه


تابعت برنامجاً وثائقيا على إحدى القنوات الفرنسية يوم 2007/10/24، يدور حول تسويق المخدّرات في المغرب وأوربا، لم يتأت لي أن أشاهد البرنامج من بدايته، ولكن ما شاهدته يقدم فكرة واضحة عن الموضوع، وربما هي الفكرة التي أراد أن يقدمها صاحب البرنامج للمشاهد ولو بشكل خفي أو غير مباشر.

إنها فكرة دور المغاربة في تسويق هذا المنتوج الحرام في المغرب وأوربا، وإذا كان تسويقه في المغرب من قبل مغاربة يمكن أن يكون “طبيعيا” باعتبارهم من أبناء البلد، فإنه ليس من الطبيعي أن يكون أبطال هذا التسويق في أوربا مغاربة أيضا ولو كا ن أصل المنتوج من آسيا أو غيرها. ما قدّمه البرنامج -من خلال التصوير بكاميرا خفية- من قدرة هؤلاء الشباب على اصطياد الزبناء ولو من خارج الحدود، وتصدير المنتوج إليهم مع القدرة على اجتياز الحاجز الأمني، يدل فعلاً عن نبوغ، ولكنه مع الأسف في غير محله.

إنه لمما يندى له الجبين أن نجد شرائح كبيرة من المغاربة “ينبغون” في مجالات لا تشرف المغرب ولا المغاربة، وأن يكونوا مادة لبرامج إذاعية وتلفزية، ومسرحية وسينمائية، يقومون فيها على أساس أنهم السّبب في كل ما تعانيه ا لمجتمعات الغَربية من ويلات الانحراف والعنف على اختلاف مظاهره.

وإنه لمن المخزي ألا يجد أصحاب هذه البرامج إلى المغاربة أبطالاً لما ينجزونه من برامج وثائقية واجتماعية وسياسية، ومن مقالات صحفية وصور كاريكاتورية.

صحيح أن هناك عدة أسباب تدفع بهؤلاء المغاربة إلا الإلقاء بأنفسهم في هذا المستنقع الحمِئ، وفي مقدمة ذلك أنواع التهميش والفقر والجهل التي تعيش فيها هذه الشرائح، مع ما يصاحب ذلك من ضعف الوازع الديني وربما انعدامه، حيث إن التربية القائمة على أسس إسلامية مغربية أصيلة، لم تعد تؤدي دورها على الإطلاق، نظراً لانتشار معاوِل الهدم وعوامل الفساد والانحراف، التي فشت وانتشرت وطغت على كل ما يمكن أن يجذب الشباب نحو الرذيلة والانحراف مما يَدفع إلى التنكر إلى المبادئ والأخلاق وربما إلى القيم الدينية والوطنية.

إن معالم انحراف النبوغ تبدأ في وقت مبكّر من حياة الشباب، وربما ترعرعت في محاضن المؤسسات التعليمية والجامعية، ويمكن أن أشير إلى مظهر واحدٍ من مظاهر هذا النبوغ المنحرف، إنه مظهر الغش الذي ينبغ فيه التلاميذ والطلبة نبوغا متميزاً. سواء ألجأوا في ذلك إلى الوسائل التقليدية أم إلى الوسائل التقنية الحديثة، حتى  إن أذكى المراقبين وأكثرهم إخلاصاً يعجز عن ضبط ما يلجأ إليه هؤلاء الغاشين من حيل ووسائل.

لاشك أن المرء يتساءل عما لو قُدِّر لهؤلاء أن يوجهوا نبُوغهم في مجالات تعود بالفائدة عليهم وعلى وطنهم، وربما على الإنسانية جمعاء، ماذا لو تم انتشالهم من عالم التهميش والفقر والرذيلة والانحراف… ماذا لو.. ماذا لو…!!

لكن “لو” حرف امتناع لا متناع كما يقول النحاة، فكل ما يعيشه الشباب وكل ما يحيط بهم يدفع إلى الانحراف دفعا، إلا من عصمه الله، حتى إن المغاربة يردِّدون بأجمعهم “اللِّي مْرَ بِّي من عنْد ربِّي”، وكأن المربين؛ آباء ومعلمين؛ عجزوا عن مواجهة هذا السيل الجارف من معاول الهدم، فاستسلموا إلى ما تقدمه العديد من وسائل الإعلام ومَنْ خلفها من التشجيع على النبوغ في القدم  والنغم وما يرتبط بهما، أما النبوغ في القلم فهذا عندهم من المحرم، وكأنه ليس من الشرف أن ينبغ المغاربة في مجال المعلوميات، أو الطب أو الهندسة أو المكانيك أو غير ذلك، وكأننا غير مؤهلين لذلك… وكانت النتيجة أن صرنا مادة غير مشرفة في وسائل الإعلام الغربية.

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *